التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ} (20)

يجوز أن تكون { الّذين يؤمنون } ابتداء كلام فهو استئناف ابتدائي جاء لمناسبة ما أفادت الجملة التي قبلها من إنكار الاستواء بين فريقين . ولذلك ذكر في هذه الجمل حال فريقين في المحامد والمساوي ليظهر أن نفي التسوية بينهما في الجملة السابقة ذلك النفي المرادَ به تفضيل أحد الفريقين على الآخر هو نفي مُؤيد بالحجة ، وبذلك يصير موقع هذه الجملة مفيداً تعليلاً لنفي التسوية المقصود منه تفضيل المؤمنين على المشركين ، فيكون قوله : { الذين يوفون } مسنداً إليه وكذلك ما عطف عليه . وجُملة { أولئك لهم عقبى الدار } مسنداً .

واجتلاب اسم الإشارة { أولئك لهم عقبى الدار } للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما بعد اسم الإشارة من أجْل الأوصاف التي قبل اسم الإشارة ، كقوله تعالى : { أولئك على هدى من ربهم } في أول سورة البقرة ( 5 ) .

ونظير هذه الجملة قوله تعالى : { الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شرّ مكاناً وأضل سبيلا } [ سورة الفرقان : 34 ] من قوله : { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } [ سورة الفرقان : 33 ] .

وقد ظهر بهذه الجملة كلها وبموقعها تفضيل الذين يعلمون أن ما أنزل حق بما لهم من صفات الكمال الموجبة للفضل في الدنيا وحسن المصير في الآخرة وبما لأضدادهم من ضد ذلك في قوله : { والذين ينقضون عهد الله } إلى قوله : { ولهم سوء الدار } [ سورة الرعد : 25 ] .

والوفاء بالعهد : أن يحقّق المرء ما عاهد على أن يعمله . ومعنى العهد : الوعد الموثّق بإظهار العزم على تحقيقه من يمين أو تأكيد .

ويجوز أن يكون { الذين يوفون بعهد الله } نعتاً لقوله : { أولوا الألباب } وتكون جملة { أولئك لهم عقبى الدار } نعتاً ثانياً . والإتيان باسم الإشارة للغرض المذكور آنفاً .

وعهد الله مصدر مضاف لمفعوله ، أي ما عاهدوا الله على فعله ، أو من إضافة المصدر إلى فاعله ، أي ما عهد الله به إليهم . وعلى كلا الوَجهين فالمراد به الإيمان الذي أخذه الله على الخلق المشار إليه بقوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } ، وتقدم في سورة الأعراف ( 172 ) ، فذلك عهدهم ربهم . وأيضاً بقوله : { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني } [ سورة يس : 60 61 ] ، وذلك عهد الله لهم بأن يعبدوه ولا يعبدوا غيره ، فحصل العهد باعتبار إضافته إلى مفعوله وإلى فاعله .

وذلك أمر أودعه الله في فطرة البشر فنشأ عليه أصلهم وتقلّده ذريته ، واستمر اعترافهم لله بأنه خالقهم .

وذلك من آثار عهد الله . وطرأ عليهم بعد ذلك تحريف عهدهم فأخذوا يتناسون وتشتبه الأمور على بعضهم فطرأ عليهم الإشراك لتفريطهم النظر في دلائل التوحيد ، ولأنه بذلك العهد قد أودع الله في فطرة العقول السليمة دلائل الوحدانية لمن تأمل وأسلم للدليل ، ولكن المشركين أعرضوا وكابروا ذلك العهد القائم في الفطرة ، فلا جرم أن كان الإشراك إبطالاً للعهد ونقضاً له ، ولذلك عطفت جملة ولا ينقضون الميثاق } على جملة { يوفون بعهد الله } .

والتعريف في { الميثاق } يحمل على تعريف الجنس فيستغرق جميع المواثيق وبذلك يكون أعم من عهد الله فيشمل المواثيق الحاصلة بين الناس من عهود وأيمان .

وباعتبار هذا العموم حصلت مغايرة ما بينه وبين عهد الله . وتلك هي مسوغة عطف { ولا ينقضون الميثاق } على { يوفون بعهد اللَّه } مع حصول التأكيد لمعنى الأولى بنفي ضدها ، وتعريضاً بالمشركين لاتصافهم بضد ذلك الكمال ، فعطفُ التأكيد باعتبار المغايرة بالعموم والخصوص .

والميثاق والعهد مترادفان . والإيفاء ونفي النقض متحداً المعنى . وابتدىء من الصفات بهذه الخصلة لأنها تنبىء عن الإيمان والإيمان أصل الخيرات وطريقها ، ولذلك عطف على { يوفون بعهد الله } قوله : { ولا ينقضون الميثاق } تحذيراً من كل ما فيه نقضه .

وهذه الصلات صفات لأولي الألباب فعطفها من باب عطف الصفات للموصوف الواحد ، وليس من عطف الأصناف . وذلك مِثل العطف في قول الشاعر الذي أنشده الفراء في معاني القرآن :

إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم

فالمعنى : الذين يتصفون بمضمون كل صلة من هذه الصلات كلما عرض مقتض لاتّصافهم بها بحيث إذا وجد المقتضي ولم يتصفوا بمقتضاه كانوا غير متصفين بتلك الفضائل ، فمنها ما يستلزم الاتصاف بالضد ، ومنها ما لا يسْتلزم إلا التفريط في الفضل .

وأعيد اسم الموصول هذا وما عطف عليه من الأسماء الموصولة ، للدلالة على أنها صلاتها خصال عظيمة تقتضي الاهتمام بذكر من اتصف بها ، ولدفع توهم أن عقبى الدار لا تتحقق لهم إلا إذا جمعوا كل هذه الصفات .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ} (20)

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " الذين يوفون بعهد الله " هذا من صفة ذوي الألباب ، أي إنما يتذكر أولو الألباب الموفون بعهد الله . والعهد اسم الجنس ، أي بجميع عهود الله ، وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده ، ويدخل في هذه الألفاظ التزام جميع الفروض ، وتجنب جميع المعاصي . وقوله : " ولا ينقضون الميثاق " يحتمل أن يريد به جنس المواثيق ، أي إذا عقدوا في طاعة الله عهدا لم ينقضوه . قال قتادة : تقدم الله إلى عباده في نقض الميثاق ونهى عنه في بضع وعشرين آية ، ويحتمل أن يشير إلى ميثاق بعينه ، هو الذي أخذه الله على عباده حين أخرجهم من صلب أبيهم آدم . وقال القفال : هو ما ركب في عقولهم من دلائل التوحيد والنبوات .

الثانية : روى أبو داود وغيره عن عوف بن مالك قال : ( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال : ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا حديث عهد ببيعة{[9384]} فقلنا : قد بايعناك حتى قالها ثلاثا ، فبسطنا أيدينا فبايعناه ، فقال قائل : يا رسول الله ! إنا قد بايعناك{[9385]} فعلى ماذا نبايعك ؟ قال : ( أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وتصلوا الصلوات الخمس وتسمعوا وتطيعوا- وأسر كلمة خفية - قال : لا تسألوا الناس شيئا ) . قال : ولقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه فما يسأل أحدا أن يناوله إياه . قال ابن العربي : من أعظم المواثيق في الذكر ألا يسأل سواه ، فقد كان أبو حمزة الخراساني من كبار العباد سمع أن أناسا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يسألوا أحدا شيئا ، الحديث ، فقال أبو حمزة : رب إن هؤلاء عاهدوا نبيك إذ رأوه ، وأنا أعاهدك ألا أسأل أحدا شيئا ، قال : فخرج حاجا من الشام يريد مكة فبينما هو يمشي في الطريق من الليل إذ بقي عن أصحابه لعذر ثم أتبعهم ، فبينما هو يمشي إليهم إذ سقط في بئر على حاشية الطريق ، فلما حل في قعره قال : استغيث لعل أحدا يسمعني . ثم قال : إن الذي عاهدته يراني ويسمعني ، والله لا تكلمت بحرف للبشر ، ثم لم يلبث إلا يسيرا إذ مر بذلك البئر نفر ، فلما رأوه على حاشية الطريق قالوا : إنه لينبغي سد هذا البئر ، ثم قطعوا خشبا ونصبوها على فم البئر وغطوها بالتراب ، فلما رأى ذلك أبو حمزة قال : هذه مهلكة ، ثم أراد أن يستغيث بهم ، ثم قال : والله ! لا أخرج منها أبدا ، ثم رجع إلى نفسه فقال : أليس قد عاهدت من يراك ؟ فسكت وتوكل ، ثم استند في قعر البئر مفكرا في أمره ، فإذا بالتراب يقع عليه ، والخشب يرفع عنه ، وسمع في أثناء ذلك من يقول : هات يدك ! قال : فأعطيته يدي فأقلَّني في مرة واحدة إلى فم البئر ، فخرجت فلم أر أحدا ، فسمعت هاتفا يقول : كيف رأيت ثمرة التوكل ، وأنشد :

نهانِي حيائي منك أن أكشف الهوى *** فأغنيتني بالعلم منك عن الكَشْفِ

تلطفتَ في أمري فأبديت شاهدي *** إلى غائبي واللطفُ يُدْرَكُ باللطف

تراءيت لي بالعلم حتى كأنما *** تخبرني بالغيب أنك في كَفِّ

أراني وبي من هيبتي لك وحشة *** فتؤنسني باللطف منك وبالعطف

وتحيي مُحِبًّا أنت في الحب حتفه *** وذا عجبٌ كيف الحياة مع الحتف

قال ابن العربي : هذا رجل عاهد الله فوجد الوفاء على التمام والكمال ، فاقتدوا به إن شاء الله تهتدوا . قال أبو الفرج الجوزي : سكوت هذا الرجل في هذا المقام على التوكل بزعمه إعانة على نفسه ، وذلك لا يحل ، ولو فهم معنى التوكل لعلم أنه لا ينافي استغاثته في تلك الحالة ، كما لم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوكل بإخفائه الخروج من مكة ، واستئجاره دليلا ، واستكتامه ذلك الأمر ، واستتاره في الغار ، وقوله لسراقة : ( اخف عنا ) . فالتوكل الممدوح لا ينال بفعل محظور ، وسكوت هذا الواقع في البئر محظور عليه ، وبيان ذلك أن الله تعالى قد خلق للآدمي آلة يدفع عنه بها الضرر ، وآلة يجتلب بها النفع ، فإذا عطلها مدعيا للتوكل كان ذلك جهلا بالتوكل ، وردا لحكمة التواضع ؛ لأن التوكل إنما هو اعتماد القلب على الله تعالى ، وليس من ضرورته قطع الأسباب ، ولو أن إنسانا جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار ، قاله سفيان الثوري وغيره ؛ لأنه قد دل على طريقة السلامة ، فإذا تقاعد عنها أعان على نفسه . وقال أبو الفرج : ولا التفات إلى قول أبي حمزة : " فجاء أسد فأخرجني " فإنه إن صح ذلك فقد يقع مثله اتفاقا وقد يكون لطفا من الله تعالى بالعبد الجاهل ، ولا ينكر أن يكون الله تعالى لطف به ، إنما ينكر فعله الذي هو كسبه ، وهو إعانته على نفسه التي هي وديعة لله تعالى عنده ، وقد أمره بحفظها .


[9384]:في و: ببيعته.
[9385]:الزيادة من كتب الحديث.