التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ} (26)

هذه الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً عما يهجس في نفوس السامعين من المؤمنين والكافرين من سماع قوله : { أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار } المفيد أنهم مغضوب عليهم ، فأما المؤمنون فيقولون : كيف بَسط الله الرزق لهم في الدنيا فازدادوا به طغياناً وكفراً وهلا عذبهم في الدنيا بالخصاصة كما قدر تعذيبهم في الآخرة ، وذلك مثل قول موسى عليه السلام { ربّنَا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك } [ سورة يونس : 88 ] ، وأما الكافرون فيسخرون من الوعيد مزدهين بما لهم من نعمة . فأجيب الفريقان بأن الله يشاء بسط الرزق لبعض عباده ونقصه لبعض آخر لحكمةٍ متصلة بأسباب العيش في الدنيا ، ولذلك اتّصال بحال الكرامة عنده في الآخرة . ولذلك جاء التعميم في قوله : { لمن يشاء } ، ومشيئته تعالى وأسبابها لا يطلع عليها أحد .

وأفاد تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : { الله يبسط } تقويةً للحكم وتأكيداً ، لأن المقصود أن يعلمه الناس ولفت العقول إليه على رأي السكاكي في أمثاله . وليس المقام مقام إفادة الحصر كما درج عليه « الكشاف » إذ ليس ثمة من يزعم الشركة لله في ذلك ، أو من يزعم أن الله لا يفعل ذلك فيقصد الرد عليه بطريق القصر .

والبسط : مستعار للكثرة وللدوام . والقَدْر : كناية عن القلة .

ولما كان المقصود الأول من هذا الكلام تعليم المسلمين كان الكلام موجهاً إليهم .

وجيء في جانب الكافرين بضمير الغيبة إشارة إلى أنهم أقل من أن يفهموا هذه الدقائق لعنجهية نفوسهم فهم فرحُوا بما لهم في الحياة الدنيا وغفلوا عن الآخرة ، فالفرح المذكور فرحُ بَطَر وطغيان كما في قوله تعالى في شأن قارون : { إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين } [ سورة القصص : 76 ] ، فالمعنى فرحوا بالحياة الدنيا دون اهتمام بالآخرة . وهذا المعنى أفادهُ الاقتصار على ذكر الدنيا في حين ذكر الآخرة أيضاً بقوله : { وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } .

والمراد بالحياة الدنيا وبالآخرة نعيمهما بقرينة السياق ، فالكلام من إضافة الحكم إلى الذات والمراد أحوالها .

و { في } ظرف مستقر حال من { الحياة الدنيا } . ومعنى { في } الظرفية المجازية بمعنى المقايسة ، أي إذا نُسبت أحوال الحياة الدنيا بأحوال الآخرة ظهر أن أحوال الدنيا متاعٌ قليل ، وتقدم عند قوله : { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } في سورة براءة ( 38 ) .

والمتاع : ما يتمتع به وينقضي . وتنكيره للتقليل كقوله : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل } [ سورة آل عمران : 196 197 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ} (26)

قوله تعالى : " الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر " لما ذكر عاقبة المؤمن وعاقبة المشرك بين أنه تعالى الذي يبسط الرزق ويقدر في الدنيا ، لأنها دار امتحان ، فبسط الرزق على الكافر لا يدل على كرامته ، والتقتير على بعض المؤمنين لا يدل على إهانتهم . " ويقدر " أي يضيق ، ومنه " ومن قدر عليه رزقه{[9393]} " [ الطلاق : 7 ] أي ضيق . وقيل : " يقدر " يعطي بقدر الكفاية . " وفرحوا بالحياة الدنيا " يعني مشركي مكة ، فرحوا بالدنيا ولم يعرفوا غيرها ، وجهلوا ما عند الله ، وهو معطوف على " ويفسدون في الأرض " . وفي الآية تقديم وتأخير ، التقدير : والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وفرحوا بالحياة الدنيا . " وما الحياة الدنيا في الآخرة " أي في جنبها . " إلا متاع " أي متاع من الأمتعة ، كالقصعة والسُّكُرُّجَة{[9394]} . وقال مجاهد : شيء قليل ذاهب ، من متع النهار إذا ارتفع ، فلا بد له من زوال . ابن عباس : زاد كزاد الراعي . وقيل : متاع الحياة الدنيا ما يستمتع بها منها . وقيل : ما يتزود منها إلى الآخرة ، من التقوى والعمل الصالح ، " ولهم سوء الدار " ثم ابتدأ . " الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر " أي يوسع ويضيق .


[9393]:راجع ج 18 ص 170.
[9394]:السكرجة: إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم، وهي فارسية.