التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (22)

جاءت صلة { والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم } وما عطف عليها وهو { وأقاموا الصلاة وأنفقوا } بصيغة الماضي لإفادة تحقق هذه الأفعال الثلاثة لهم وتمكنها من أنفسهم تنويهاً بها لأنها أصول لفضائل الأعمال .

فأما الصبر فلأنه ملاك استقامة الأعمال ومصدرها فإذا تخلق به المؤمن صدرت عنها لحسنات والفضائل بسهولة ، ولذلك قال تعالى : { إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } [ سورة العصر : 2 3 ] .

وأما الصلاة فلأنها عماد الدين وفيها ما في الصبر من الخاصية لقوله تعالى : { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } وقوله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة } [ سورة البقرة : 45 ] .

وأما الإنفاق فأصله الزكاة ، وهي مقارنة للصلاة كلما ذكرت ، ولها الحظ الأوفى من اعتناء الدين بها ، ومنها النفقات والعطايا كلها ، وهي أهم الأعمال ، لأن بذل المال يشق على النفوس فكان له من الأهمية ما جعله ثانياً للصلاة .

ثم أعيد أسلوب التعبير بالمضارع في المعطوف على الصلة وهو قوله : { ويدرءون بالحسنة السيئة } لاقتضاء المقام إفادة التجدد إيماء إلى أن تجدد هذا الدرء ما يُحرص عليه لأن الناس عرضة للسيئات على تفاوت ، فوُصف لهم دواء ذلك بأن يدعوا السيّئات بالحسنات .

والقول في عطف { والذين صبروا } وفي إعادة اسم الموصول كالقول في { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } .

والصبر : من المحامد . وتقدم في قوله تعالى : { واستعينوا بالصبر } في سورة البقرة ( 45 ) . والمراد الصبر على مشاق أفعال الخير ونصر الدين .

وابتغاء وجه ربهم } مفعول لأجله ل { صبروا } . والابتغاء : الطلب . ومعنى ابتغاء وجه الله ابتغاء رضاه كأنه فعل فعلاً يطلبُ به إقباله عند لقائه ، وتقدم في قوله تعالى : { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } في آخر سورة البقرة ( 272 ) .

والمعنى أنهم صبروا لأجل أن الصبر مأمور به من الله لا لغرض آخر كالرياء ليقال ما أصبره على الشدائد ولاتّقاء شماتة الأعداء .

والسر والعلانية تقدم وجه ذكرهما في قوله تعالى : { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية } أواخر سورة البقرة ( 274 ) .

والدرء : الدفع والطرد . وهو هنا مستعار لإزالة أثر الشيء فيكون بعد حصول المدفُوع وقبلَ حصوله بأن يُعِدّ ما يمنع حصوله ، فيصدق ذلك بأن يُتبع السيّئة إذا صدرت منه بفعل الحسنات فإن ذلك كطرد السيئة . قال النبي : يا معاذ اتّق الله حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمْحُها . وخاصة فيما بينه وبين ربه .

ويصدق بأن لا يقابل من فعل معه سيّئة بمثله بل يقابل ذلك بالإحسان ، قال تعالى : { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } [ سورة فصلت : 34 ] بأن يصل من قطعه ويعطي من حرمه ويعفو عمن ظلمه وذلك فيما بين الأفراد وكذلك بين الجماعات إذ لم يفض إلى استمرار الضر . قال تعالى في ذلك : { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } [ سورة الأنفال : 3 ] .

ويصدق بالعدول عن فعل السيئة بعد العزم فإن ذلك العدول حسنة دَرَأت السيّئة المعزوم عليه . قال النبي عليه الصلاة والسلام : " من همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنة " .

فقد جمع { يدرءون } جميعَ هذه المعاني ولهذا لم يعقب بما يقتضي أن المراد معاملة المُسيء بالإحسان كما أُتبع في قوله : { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن } في سورة فصلت ( 34 ) . وكما في قوله { ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون } في سورة المؤمنون ( 96 ) .

وجملة { أولئك لهم عقبى الدار } خبر عن { الذين يوفون بعهد الله } . ودل اسم الإشارة على أن المشار إليهم جديرون بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة لأجل ما وصف به المشار إليهم من الأوصاف ، كما في قوله : { أولئك على هدى من ربهم } في أول سورة البقرة ( 5 ) .

ولهم { عقبى الدار } جملة خبراً عن اسم الإشارة . وقدم المجرور على المبتدأ للدلالة على القصر ، أي لهم عقبى الدار لا للمتصفين بإضداد صفاتهم ، فهو قصر إضافي .

والعقبى : العاقبة ، وهي الشيء الذي يعقُب ، أي يقع عقب شيء آخر . وقد اشتهر استعمالها في آخرة الخير ، قال تعالى : { والعاقبة للمتقين } [ سورة القصص : 83 ] . ولذلك وقعت هنا في مقابلة ضدها في قوله : { ولهم سوء الدار } [ سورة غافر : 52 ] .

وأما قوله : { وعقبى الكافرين النار } [ سورة الرعد : 35 ] فهو مشاكلة كما سيأتي في آخر السورة عند قوله : { وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار } [ سورة الرعد : 42 ] . وانظر ما ذكرته في تفسير قوله تعالى : { ومن تكون له عاقبة الدار } في سورة القصص ( 37 ) فقد زدته بياناً .

وإضافتها إلى { الدار } من إضافة الصفة إلى الموصوف . والمعنى : لهم الدار العاقبة ، أي الحسنة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (22)

قوله تعالى : " والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم " قيل : " الذين " مستأنف ؛ لأن " صبروا " ماض فلا ينعطف على " يوفون " وقيل : هو من وصف من تقدم ، ويجوز الوصف تارة بلفظ الماضي ، وتارة بلفظ المستقبل ، لأن المعنى من يفعل كذا فله كذا ، ولما كان " الذين " يتضمن الشرط ، والماضي في الشرط كالمستقبل جاز ذلك ؛ ولهذا قال : " الذين يوفون " ثم قال : " والذين صبروا " ثم عطف عليه فقال : " ويدرؤون بالحسنة السيئة " قال ابن زيد : صبروا على طاعة الله ، وصبروا عن معصية الله . وقال عطاء : صبروا على الرزايا والمصائب ، والحوادث والنوائب . وقال أبو عمران الجوني : صبروا على دينهم ابتغاء وجه الله " وأقاموا الصلاة " أدوها بفروضها وخشوعها في مواقيتها . " وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية " يعني الزكاة المفروضة ، عن ابن عباس ، وقد مضى القول في هذا في " البقرة " {[9386]} وغيرها . " ويدرؤون بالحسنة السيئة " أي يدفعون بالعمل الصالح السيء من الأعمال ، قاله ابن عباس . ابن زيد : يدفعون الشر بالخير . سعيد بن جبير : يدفعون المنكر بالمعروف . الضحاك : يدفعون الفحش بالسلام . جويبر : يدفعون الظلم بالعفو . ابن شجرة : يدفعون الذنب بالتوبة . القتبي : يدفعون سفه الجاهل بالحلم ، فالسفه السيئة ، والحلم الحسنة . وقيل : إذا هموا بسيئة رجعوا عنها واستغفروا . وقيل : يدفعون الشرك بشهادة أن لا إله إلا الله ؛ فهذه تسعة أقوال ، معناها كلها متقارب ، والأول يتناولها بالعموم ، ونظيره : " إن الحسنات يذهبن السيئات{[9387]} " [ هود : 114 ] ومنه قول عليه السلام لمعاذ : ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) . قوله تعالى : " أولئك لهم عقبى الدار " أي عاقبة الآخرة ، وهي الجنة بدل النار ، والدار غدا داران : الجنة للمطيع ، والنار للعاصي ، فلما ذكر وصف المطيعين فدارهم الجنة لا محالة . وقيل : عني بالدار دار الدنيا ، أي لهم جزاء ما عملوا من الطاعات في دار الدنيا .


[9386]:راجع ج 1 ص 179.
[9387]:راجع ص 110 من هذا الجزء.