التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ} (114)

تفريع على الموعظة وضرببِ المثل ، وخوطب به فريق من المسلمين كما دلّ عليه قوله : { إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة } [ سورة النحل : 114 ، 115 ] إلى آخره .

ولعلّ هذا موجّه إلى أهل هجرة الحبشة إذ أصبحوا آمنين عند ملك عادل في بلد يَجدون فيه رزقاً حلالاً وهو ما يُضافون به وما يكتسبونه بكدّهم ، أيْ إذا علمتم حال القرية الممثّل بها أو المعرّض بها فاشكروا الله الذي نجّاكم من مثل ما أصاب القرية ، فاشكروا الله ولا تكفروه كما كفر بنعمته أهل تلك القرية . فقوله : { واشكروا نعمت الله } مقابل قوله في المثل : { فكفرت بأنعم الله } [ سورة النحل : 112 ] إن كنتم لا تعبدون غيره كما هو مقتضى الإيمان .

وتعليق ذلك بالشرط للبعث على الامتثال لإظهار صدق إيمانهم .

وإظهار اسم الجلالة في قوله : { واشكروا نعمت الله } مع أن مقتضى الظاهر الإضمار لزيادة التذكير ، ولتكون جملة هذا الأمر مستقلّة بدلالتها بحيث تصحّ أن تجري مجرى المثل .

وقيل : هذه الآية نزلت بالمدينة ( والمعنى واحد ) وهو قول بعيد .

والأمر في قوله : { فكلوا } للامتنان . وإدخال حرف التفريع عليه باعتبار أن الأمر بالأكل مقدمة للأمر بالشكر وهو المقصود بالتّفريع . والمقصود : فاشكروا نعمة الله ولا تكفروها فيحلّ بكم ما حلّ بأهل القرية المضروبة مثلاً .

والحلال : المأذون فيه شرعاً . والطيّب : ما يطيب للناس طعمه وينفعهم قُوتهُ .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ} (114)

قوله تعالى : " فكلوا مما رزقكم الله " ، أي : كلوا يا معشر المسلمين من الغنائم . وقيل : الخطاب للمشركين ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم بطعام رقة عليهم ، وذلك أنهم لما ابتلوا بالجوع سبع سنين ، وقطع العرب عنهم المِيرَةَ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أكلوا العظام المحرقة والجيفة والكلاب الميتة والجلود والعلهز ، وهو الوبر يعالج بالدم . ثم إن رؤساء مكة كلموا{[10085]} رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهدوا وقالوا : هذا عذاب الرجال ، فما بال النساء والصبيان . وقال له أبو سفيان : يا محمد ، إنك جئت تأمر بصلة الرحم والعفو ، وإن قومك قد هلكوا ، فادع الله لهم . فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأذن{[10086]} للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون .


[10085]:في ج: كاتبوا.
[10086]:في ي: أمر الناس.