التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (95)

الثمن القليل هو ما يعدهم به المشركون إن رجعوا عن الإسلام من مال وهناء عيش .

وهذا نهي عن نقض عهد الإسلام لأجل ما فاتهم بدخولهم في الإسلام من منافع عند قوم الشّرك ، وبهذا الاعتبار عطفت هذه الجملة على جملة { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } [ سورة النحل : 91 ] وعلى جملة { وَلاَ تتخذوا أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ } [ سورة النحل : 94 ] لأن كل جملة منها تلتفت إلى غرض خاص مما قد يبعث على النّقض .

والثّمن : العوض الذي يأخذه المعاوض . وتقدّم الكلام على نظير هذا عند قوله تعالى : { ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً وإيّاي فاتّقون } في سورة البقرة ( 41 ) . وذكرنا هناك أن { قليلاً } صفة كاشفة وليست مقيدة ، أي أن كل عوض يؤخذ عن نقض عهد الله هو عوض قليل ولو كان أعظم المكتسبات .

وجملة { إنما عند الله هو خير لكم } تعليل للنّهي باعتبار وصف عوض الاشتراء المنهي عنه بالقلّة ، فإن ما عند الله هو خير من كل ثمن وإن عظم قدره .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (95)

قوله تعالى : " ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا " ، نهى عن الرشا وأخذ الأموال على نقض العهد ، أي : لا تنقضوا عهودكم لعرض قليل من الدنيا . وإنما كان قليلا وإن كثر ؛ لأنه مما يزول ، فهو على التحقيق قليل ، وهو المراد بقوله : " ما عندكم ينفد وما عند الله باق " ، فبين الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتحول ، وما عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وفّى بالعهد وثبت على العقد . ولقد أحسن من قال :

المال ينفد حِلّه وحرامه *** يوما وتبقى في غدٍ آثامُه

ليس التَّقِيُّ بمُتَّقٍ لإلههِ{[10045]} *** حتى يطيبَ شرابُه وطعامُه

آخر :

هبِ الدنيا تُسَاقُ إليك عفوًا*** أليس مصيرُ ذاك إلى انتقالِ

وما دُنْيَاكَ إلا مثلُ فيء*** أظلَّك ثم آذنَ بالزَّوَالِ

قوله تعالى : " ولنجزين الذين صبروا " ، أي : على الإسلام والطاعات وعن المعاصي . " أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون " ، أي : من الطاعات ، وجعلها أحسن ؛ لأن ما عداها من الحسن مباح ، والجزاء إنما يكون على الطاعات من حيث الوعد من الله . وقرأ عاصم وابن كثير " ولنجزين " : بالنون على التعظيم . الباقون بالياء . وقيل : إن هذه الآية : " ولا تشتروا . . . " ، نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي ، وخصمه ابن أسوع{[10046]} ، اختصما في أرض ، فأراد امرؤ القيس أن يحلف ، فلما سمع هذه الآية نكل وأقر له بحقه ، والله أعلم .


[10045]:في نسخ الأصل: ليس التقى بمن يمير بأهله وفي ي: يميز، والتصويب عن أدب الدنيا والدين ص 212 طبع بولاق.
[10046]:الذي في كتب الصحابة في ترجمة امرئ القيس بن عابس أنه ربيعة بن عيدان، وقال صاحب كتاب الإصابة في ترجمة عيدان بن أسوغ: "ذكر مقاتل في تفسيره أنه الذي حاصر امرئ القيس بن عابس الكندي في أرضه، وفيه نزلت : "إن الذين يشترون بعهد الله..." الآية.