التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ} (99)

جملة { إنه ليس له سلطان } الآية تعليل للأمر بالاستعاذة من الشيطان عند إرادة قراءة القرآن وبيان لصفة الاستعاذة .

فأما كونها تعليلاً فلزيادة الحثّ على الامتثال للأمر بأن الاستعاذة تمنع تسلّط الشيطان على المستعيذ لأن الله منعه من التسلّط على الذين آمنوا المتوكّلين ، والاستعاذة منه شعبة من شعب التوكّل على الله لأن اللّجأ إليه توكّل عليه . وفي الإعلام بالعلّة تنشيط للمأمور بالفعل على الامتثال إذ يصير عالماً بالحكمة وأما كونها بياناً فلما تضمّنته من ذكر التوكّل على الله ليبيّن أن الاستعاذة إعراب عن التوَكّل على الله تعالى لدفع سلطان الشيْطان ليعقد المستعيذُ نيّتَه على ذلك .

وليست الاستعاذة مجرّد قول بدون استحضار نيّة العَوذ بالله .

فجملة { وعلى ربهم يتوكلون } صفة ثانية للموصول . وقدّم المجرور على الفعل للقصر ، أي لا يتوكّلون إلا على ربّهم . وجعل فعلها مضارعاً لإفاة تجدّد التوكّل واستمراره . فنَفي سلطان الشيطان مشروط بالأمرين : الإيمان ، والتوكّل . ومن هذا تفسير لقوله تعالى في الآية الأخرى { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } [ سورة الحجر : 42 ] .

والسّلطان : مصدر بوزن الغُفران ، وهو التسلّط والتصرّف المكين .

فالمعنى أن الإيمان مبدأ أصيل لتوهين سلطان الشيطان في نفس المؤمن فإذا انضمّ إليه التوكّل على الله اندفع سلطان الشيطان عن المؤمن المتوكّل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ} (99)

قوله تعالى : " إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا " ، أي : بالإغواء والكفر ، أي : ليس لك قدرة على أن تحملهم على ذنب لا يغفر ، قاله سفيان . وقال مجاهد : لا حجة له على ما يدعوهم إليه من المعاصي . وقيل : إنه ليس عليهم سلطان بحال ؛ لأن الله تعالى صرف سلطانه عليهم حين قال عدو الله إبليس لعنه الله : " ولأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين{[10053]} " [ الحجر : 39 - 40 ] ، قال الله تعالى : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين " [ الحجر : 42 ] .

قلت : قد بينا أن هذا عام يدخله التخصيص ، وقد أغوى آدم وحواء عليهما السلام بسلطانه ، وقد شوش على الفضلاء أوقاتهم بقوله : من خلق ربك ؟ حسبما تقدم في " الأعراف " {[10054]} .


[10053]:راجع ص 27 من هذا الجزء فما بعد.
[10054]:راجع ج 7 ص 348.