التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا} (27)

جملة { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } تعليل للمبالغة في النهي عن التبذير .

والتعريف في { المبذرين } تعريف الجنس ، أي الذين عرفوا بهذه الحقيقة كالتعريف في قوله : { هدى للمتقين } [ البقرة : 2 ] .

والإخوان جمع أخ ، وهو هنا مستعار للملازم غير المفارق لأن ذلك شأن الأخ ، كقولهم : أخو العلم ، أي مُلازمه والمتصف به ، وأخو السفَر لمن يُكثر الأسفار . وقول عدي بن زيد :

وأخو الحَضْر إذ بناه وإذ دجْ *** لةُ تَجبِي إليه والخابُور

يريد صاحب قَصر الحَضْر ، وهو مَلك بلد الحَضْر المسمى الضَيْزنَ بنَ معاوية القضاعي الملقّب السيْطرون .

والمعنى : أنهم من أتباع الشياطين وحُلفائهم كما يتابع الأخُ أخاه .

وقد زيد تأكيد ذلك بلفظ { كانوا } المفيد أن تلك الأخوة صفة راسخة فيهم ، وكفى بحقيقة الشيطان كراهة في النفوس واستقباحاً .

ومعنى ذلك : أن التبذير يدعو إليه الشيطان لأنه إما إنفاق في الفساد وإما إسراف يستنزف المال في السفاسف واللذات فيعطل الإنفاق في الخير وكل ذلك يرضي الشيطان ، فلا جرم أن كان المتصفون بالتبذير من جند الشيطان وإخوانه .

وهذا تحذير من التبذير ، فإن التبذير إذا فعله المرء اعتاده فأدمن عليه فصار له خلقاً لا يفارقه شأن الأخلاق الذميمة أن يسهل تعلقها بالنفوس كما ورد في الحديث « إن المرء لا يزال يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً » ، فإذا بذر المرء لم يلبث أن يصير من المبذرين ، أي المعروفين بهذا الوصف ، والمبذرون إخوان الشياطين ، فليحذر المرء من عمل هو من شأن إخوان الشياطين ، وليحذر أن ينقلب من إخوان الشياطين . وبهذا يتبين أن في الكلام إيجازَ حذف تقديره : ولا تبذر تبذيراً فتصير من المبذرين إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين . والذي يدل على المحذوف أن المرء يصدق عليه أنه من المبذرين عندما يبذر تبذيرة أو تبذيرتين .

ثم أكد التحذير بجملة { وكان الشيطان لربه كفورا } . وهذا تحذير شديد من أن يفضي التبذير بصاحبه إلى الكفر تدريجاً بسبب التخلق بالطبائع الشيطانية ، فيذهب يتدهور في مهاوي الضلالة حتى يبلغ به إلى الكفر ، كما قال تعالى : { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } [ الأنعام : 121 ] . ويجوز حمل الكفر هنا على كفر النعمة فيكون أقرب درجات إلى حال التخلق بالتبذير ، لأن التبذير صرف المال في غير ما أمر الله به فهو كفر لنعمة الله بالمال . فالتخلق به يفضي إلى التخلق والاعتياد لكفران النعم .

وعلى الوجهين فالكلام جار على ما يعرف في المنطق بقياس المساواة ، إذ كان المبذر مؤاخياً للشيطان وكان الشيطانُ كفوراً ، فكانَ المبذّر كفوراً بالمآل أو بالدرجة القريبة .

وقد كان التبذير من خُلق أهل الجاهلية ، ولذلك يتمدحون بصفة المتلاف والمُهلك المال ، فكان عندهم الميسر من أسْباب الإتلاف ، فحذر الله المؤمنين من التلبس بصفات أهل الكفر ، وهي من المذام ، وأدبهم بآداب الحكمة والكمال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا} (27)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " وآت ذا القربى حقه " أي كما راعيت حق الوالدين فصل الرحم ، ثم تصدق على المسكين وابن السبيل . وقال علي بن الحسين في قوله تعالى : " وآت ذا القربى حقه " : هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ، أمر صلى الله عليه وسلم بإعطائهم حقوقهم من بيت المال ، أي من سهم ذوي القربى من الغزو والغنيمة ، ويكون خطابا للولاة أو من قام مقامهم . والحق في هذه الآية ما يتعين من صلة الرحم ، وسد الخلة ، والمواساة عند الحاجة بالمال ، والمعونة بكل وجه .

الثانية : قوله تعالى : " ولا تبذر " أي لا تسرف في الإنفاق في غير حق . قال الشافعي رضي الله عنه : والتبذير إنفاق المال في غير حقه ، ولا تبذير في عمل الخير . وهذا قول الجمهور . وقال أشهب عن مالك : التبذير هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه ، وهو الإسراف ، وهو حرام لقوله تعالى : " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين " وقوله : " إخوان " يعني أنهم في حكمهم ؛ إذ المبذر ساع في إفساد كالشياطين ، أو أنهم يفعلون ما تسول لهم أنفسهم ، أو أنهم يقرنون بهم غدا في النار ، ثلاثة أقوال . والإخوان هنا جمع أخ من غير النسب ، ومنه قوله تعالى : " إنما المؤمنون إخوة{[10202]} " [ الحجرات : 10 ] . وقوله تعالى : " وكان الشيطان لربه كفورا " أي احذروا متابعته والتشبه به في الفساد . والشيطان اسم الجنس . وقرأ الضحاك " إخوان الشيطان " على الانفراد ، وكذلك ثبت في مصحف أنس بن مالك رضي الله عنه .

الثالثة : من أنفق مال في الشهوات زائدا على قدر الحاجات وعرضه بذلك للنفاد فهو مبذر . ومن أنفق ربح مال في شهواته وحفظ الأصل أو الرقبة فليس بمبذر . ومن أنفق درهما في حرام فهو مبذر ، ويحجر عليه في نفقته الدرهم في الحرام ، ولا يحجر عليه إن بذله في الشهوات إلا إذا خيف عليه النفاد .


[10202]:راجع ج 16 ص 322.