فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا} (27)

{ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ( 27 ) } .

{ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ } فإن هذه الجملة تعليل للنهي عن التبذير ، والمراد بالأخوة المماثلة التامة وتجنب مماثلة الشيطان ولو في خصلة واحدة من خصاله واجب فكيف فيما هو أعم من ذلك كما يدل عليه إطلاق المماثلة ، والإسراف في الإنفاق من عمل الشيطان فإذا فعله أحد من بني آدم فقد أطاع الشيطان واقتدى به ، وهذا غاية المذمة لأنه لا شر من الشياطين ، والعرب تقول لكل من هو ملازم سنة قوم هو أخوهم .

قال ابن مسعود : التبذير إنفاق المال في غير حقه ، وعنه كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم نتحدث أن التبذير النفقة في غير حقه ، وعن ابن عباس قال : هم الذين ينفقون المال في غير حقه ، وعن علي قال : ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير وما تصدقت فلك ، وما أنفقت رياء وسمعة فذلك حظ الشيطان .

وقيل هو إنفاق المال في العمارة على وجه السرف ، وقيل لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا ، ولو أنفق درهما أو مدا في باطل كان مبذرا ، قيل إن بعضهم أنفق نفقة في خير فأكثر ، فقال له صاحبه لا خير في السرف ، فقال لا سرف في الخير ، ولا مانع من حمل الآية على الجميع والعموم أولى .

{ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ } أي لنعيم ربه { كَفُورًا } أي كثير الكفران جحود النعمة ، عظيم التمرد عن الحق ، لأنه مع كفره لا يعمل إلا شرا ، ولا يأمر إلا بعمل شر ، ولا يوسوس إلا بما لا خير فيه ، وفي هذه الآية تسجيل على المبذرين بمماثلة الشياطين ، ثم التسجيل على جنس الشيطان بأنه كفور ، فاقتضى ذلك أن المبذر مماثل للشيطان ، وكل مماثل للشيطان له حكم الشيطان ، وكل شيطان كفور فالمبذر كذلك .

قال الكرخي وكذلك من رزقه الله جاها أو مالا فصرفه إلى غير مرضاة الله كان كفورا لنعمة الله لأنه موافق للشيطان في الصفة والفعل .