التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا} (56)

إدريس : اسم جعل علماً على جد أبي نوح ، وهو المسمى في التوراة ( أُخنُوخ ) . فنوح هو ابن لامك بن متُوشالح بن أُخنوخ ، فلعل اسمه عند نسّابي العرب إدريس ، أو أن القرآن سماه بذلك اسماً مشتقاً من الدرس لما سيأتي قريباً . واسمه ( هرمس ) عند اليونان ، ويُزعم أنه كذلك يسمى عند المصريين القدماء ، والصحيح أن اسمه عند المصريين ( تُوت ) أو ( تحُوتي ) أو ( تهوتي ) لهجات في النطق باسمه .

وذكر ابن العِبْري في « تاريخه » : « أن إدريس كان يلقب عند قدماء اليونان ( طريسمجيسطيس ) ، ومعناه بلسانهم ثلاثي التعليم ، لأنه كان يصف الله تعالى بثلاث صفات ذاتية وهي الوجود والحكمة والحياة » اهـ .

ولا يخفى قرب الحروف الأولى في هذا الاسم من حروف إدريس ، فلعل العرب اختصروا الاسم لطوله فاقتصروا على أوله مع تغيير .

وكان إدريس نبيئاً ، ففي الإصحاح الخامس من سفر التكوين « وسار أُخنوخ مع الله » . قيل : هو أول من وضع للبشر عمارة المدن ، وقواعد العلم ، وقواعد التربية ، وأول من وضع الخط ، وعلّم الحساب بالنجوم وقواعدَ سير الكواكب ، وتركيب البسائط بالنّار فلذلك كان علم الكيمياء ينسب إليه ، وأوّل من علم الناس الخياطة . فكان هو مبدأ من وضع العلوم ، والحضارة ، والنظم العقليّة .

فوجه تسميته في القرآن بإدريس أنّه اشتق له اسم من الفرس على وزن مناسب للأعلام العجميّة ، فلذلك منع من الصرف مع كون حروفه من مادة عربية ، كما منع إبليس من الصرف ، وكما منع طالوت من الصرف .

وتقدّم اختلاف القراء في لفظ { نبيئاً } عند ذكر إبراهيم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا} (56)

قوله تعالى : " واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا " إدريس عليه السلام ، أول من خط بالقلم ، وأول من خاط الثياب ولبس المخيط ، وأول من نظر في علم النجوم والحساب وسيرها . وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله تعالى . وأنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة كما في حديث أبي ذر . الزمخشري : وقيل سمي إدريس إدريس لكثرة درسه كتاب الله تعالى ، وكان اسمه أخنوخ وهو غير صحيح ؛ لأنه لو كان إفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفا ، فامتناعه من الصرف دليل لعجمة ، وكذلك إبليس أعجمي وليس من الإبلاس كما يزعمون ، ولا يعقوب من العقب ، ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت ، ومن لم يحقق ولم يتدرب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات ، يجوز أن يكون معنى إدريس عليه السلام في تلك اللغة قريبا من ذلك فحسبه الراوي من الدرس . قال الثعلبي والغزنوي وغيرهما : وهو جد نوح وهو خطأ ، وقد تقدم في " الأعراف{[10875]} : بيانه وكذا وقع في السيرة أن نوحا عليه السلام بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي فيما يزعمون ، والله تعالى أعلم . وكان أول من أعطى النبوة{[10876]} من بن آدم ، وخط بالقلم . ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن يانش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم .


[10875]:راجع جـ 7 ص 132 فما بعد.
[10876]:يتأمل هذا مع ما ثبت من نبوة آدم وشيث.