التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا} (64)

موقع هذه الآية هنا غريب . فقال جمهور المفسرين : إن سبب نزولها أنّ جبريل عليه السلام أبطأ أياماً عن النزول إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنّ النبي ودّ أن تكون زيارة جبريل له أكثر مما هو يزوره فقال لجبريل : " ألا تزورنا أكثر ممّا تزورنا " فنزلت : { ومَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ } إلى آخر الآية . أي إلى قوله { نَسِيَّاً } ، رواه البخاري والترمذي عن ابن عبّاس . وظاهره أنه رواية وهو أصح ما روي في سبب نزولها وأليقه بموقعها هنا . ولا يلتفت إلى غيره من الأقوال في سبب نزولها .

والمعنى : أن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقول هذا الكلام جواباً عنه ، فالنظم نظم القرآن بتقدير : وقل ما نتنزل إلاّ بأمر ربّك ، أي قل يا جبريل ، فكان هذا خطاباً لجبريل ليبلغه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قرآناً . فالواو عاطفة فعل القول المحذوف على الكلام الذي قبله عطف قصة على قصة مع اختلاف المخاطب ، وأمرَ الله رسوله أن يقرأها هنا ، ولأنّها نزلت لتكون من القرآن .

ولا شك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك لجبريل عليه السلام عند انتهاء قصص الأنبياء في هذه السورة فأثبتت الآية في الموضع الذي بلغ إليه نزول القرآن .

والضمير لجبريل والملائكة ، أعلم الله نبيئه على لسان جبريل أن نزول الملائكة لا يقع إلاّ عن أمر الله تعالى وليس لهم اختيار في النزول ولقاء الرّسل ، قال تعالى : { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } [ الأنبياء : 27 ] .

و { نتنزل } مرادف ننزّل ، وأصل التنزّل : تكلّف النزول ، فأطلق ذلك على نزول الملائكة من السماء إلى الأرض لأنّه نزول نادر وخروج عن عالمهم فكأنه متكلّف . قال تعالى : { تَنَزَّلُ الملائكة والروح فيها } [ القدر : 4 ] .

واللاّم في « له » للملك ، وهو ملك التصرف .

والمراد ب { مَا بَينَ أيْدِينَا } ما هو أمامنا ، وب { وَمَا خَلْفَنا : } ما هو وراءنا ، وب { ومَا بَينَ ذَلِكَ : } ما كان عن أيمانهم وعن شمائلهم ، لأن ما كان عن اليمين وعن الشمال هو بين الأمام والخلف . والمقصود استيعاب الجهات .

ولمّا كان ذلك مخبراً عنه بأنه ملك لله تعين أن يراد به الكائنات التي في تلك الجهات ، فالكلام مجاز مرسل بعلاقة الحلول ، مثل { واسأل القرية } [ يوسف : 82 ] ، فيعمّ جميع الكائنات ، ويستتبع عمومَ أحوالها وتصرفاتها مثل التنزل بالوحي . ويستتبع عموم الأزمان المستقبل والماضي والحال ، وقد فسر بها قوله { ما بين أيدينا وما خَلْفنا وما بينَ ذلِكَ } .

وجملة { ومَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } على هذا الوجه من الكلام الملقّن به جبريل جواباً للنبيء صلى الله عليه وسلم

و { نسِيّاً } : صيغة مبالغة من نَسيَ ، أي كثيرَ النسيان أو شديده .

والنسيان : الغفلة عن توقيت الأشياء بأوقاتها ، وقد فسروه هنا بتارك ، أي ما كان ربّك تاركك وعليه فالمبالغة منصرفة إلى طول مدّة النسيان . وفسر بمعنى شديد النسيان ، فيتعين صرف المبالغة إلى جانب نسبة نفي النسيان عن الله ، أي تحقيق نفي النسيان مثل المبالغة في قوله : { وما ربّك بظلام للعبيد } [ فصّلت : 46 ] فهو هنا كناية عن إحاطة علم الله ، أي إن تنزلنا بأمر الله لما هو على وفق علمه وحكمته في ذلك ، فنحن لا نتنزل إلاّ بأمره . وهو لا يأمرنا بالتنزل إلاّ عند اقتضاء علمه وحكمته أن يأمرنا به .

وجوز أبو مسلم وصاحب « الكشاف » : أنّ هذه الآية من تمام حكاية كلام أهل الجنة بتقدير فعل يقولون حالاً من قوله { من كان تقياً } [ مريم : 63 ] ، أي وما نتنزل في هذه الجنة إلاّ بأمر ربّك الخ ، وهو تأويل حسن .

وعليه فكاف الخطاب في قوله { بأمر ربك } خطاب كلّ قائل لمخاطبه ، وهذا التجويز بناء على أنّ ما روي عن ابن عباس رأي له في تفسير الآية لا تتعيّن متابعته .

وعليه فجملة { ومَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } من قول الله تعالى لرسوله تذييلاً لما قبله ، أو هي من كلام أهل الجنّة ، أي وما كان ربّنا غافلاً عن إعطاء ما وعدنا به .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا} (64)

روى الترمذي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل ( ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ) قال : فنزلت هذه الآية : " وما نتنزل إلا بأمر ربك " إلى آخر الآية . قال هذا حديث حسن غريب ورواه البخاري حدثنا خلال بن يحيى حدثنا عمر بن ذر قال سمعت أبي يحدث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل : ( ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزرونا فنزلت " وما نتنزل إلا بأمر ربك " الآية ، قال : كان هذا الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم . وقال مجاهد : أبطأ الملك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتاه فقال : ( ما الذي أبطأك ) قال : كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ، ولا تنقون رواجبكم{[10899]} ، ولا تستاكون . قال مجاهد : فنزلت الآية في هذا ، وقال مجاهد أيضا وقتادة وعكرمة والضحاك ومقاتل والكلبي : احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأل قومه عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيبهم ، ورجا أن يأتيه جبريل بجواب ما سألوه عنه ، قال عكرمة : فأبطأ عليه أربعين يوما . وقال مجاهد : اثنتي عشرة ليلة . وقيل : خمسة عشر يوما . وقيل : ثلاثة عشر . وقيل : ثلاثة أيام ، فقال النبي صلي ( أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك ) فقال جبريل عليه السلام : إني كنت أشوق ، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت ، وإذا حبست احتبست ، فنزلت الآية ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) وأنزل ( والضحى والليل إذا سجى وما ودعك ربك وما قلى{[10900]} ) ذكره الثعلبي والواحدي والقشيري وغيرهم . وقيل : هو إخبار من أهل الجنة أنهم يقولون عند دخولها ، وما نتنزل هذه الجنان إلا بأمر ربك ، وعلى هذا تكون الآية متصلة به قبل ، وعلى ما ذكرنا من الأقوال قبل ، تكون غير متصلة بما قبلها ، والقرآن سور ثم السور تشتمل على جمل ، وقد تنفصل جملة عن جملة " وما نتنزل " أي قال الله تعالى : قل يا جبريل " وما نتنزل إلا بأمر ربك " وهذا يحتمل وجهين : أحدهما : إنا إذا أمرنا نزلنا عليك الثاني إذا أمرك ربك نزلنا عليك فيكون الأمر على الأول متوجها إلى النزول وعلى الوجه الثاني متوجها إلى التنزيل .

قوله تعالى : " له " أي لله " ما بين أيدينا " أي علم ما بين أيدينا " وما خلفنا وما بين ذلك{[10901]} " قال ابن عباس وابن جريج : ما مضى أمامنا من أمر الدنيا ، وما يكون بعدنا من أمرها وأمر الآخرة " وما بين ذلك " من البرزخ . وقال قتادة ومقاتل : " له ما بين أيدينا " من أمر الآخرة " وما خلفنا " ما مضى من الدنيا " وما بين ذلك " ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة . الأخفش : " ما بين أيدينا " ما كان قبل أن نخلق " وما خلفنا " ما يكون بعد أن نموت " وما بين ذلك " ما يكون منذ خلقنا إلى أن نموت . وقيل : " ما بين أيدينا " من الثواب والعقاب وأمور الآخرة " وما خلفنا " ما مضى من أعمالنا في الدنيا ( وما بين ذلك ) أي ما يكون من هذا الوقت إلى يوم القيامة ، ويحتمل خامسا " ما بين أيدينا " السماء " وما خلفنا " الأرض " و بين ذلك " أي ما بين السماء والأرض وقال ابن عباس في رواية " و ما بين أيدينا " يريد الدنيا إلى الأرض " وما خلفنا " يريد السموات ، وهذا على عكس ما قبله " ما بين ذلك " يريد الهواء ذكر الأول الماوردي ، والثاني القشيري الزمخشري ، وقيل : ما مضى من أعمارنا وما غبر منها ، والحال التي نحن فيها ولم يقل ما بين ذينك ؛ لأن المراد ما بين ما ذكرنا كما قال " لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك " أي بين ما ذكرنا " وما كان ربك نسيا " أي ناسيا إذا شاء أن يرسل إليك أرسل . وقيل : المعنى لم ينسك وإن تأخر عنك الوحي . وقيل : المعنى أنه عالم بجميع الأشياء متقدمها ومتأخرها ولا ينسى شيئا منها .


[10899]:الرواجب: ما بين عقد الأصابع من داخل، أو مفاصل أصول الأصابع واحدتها راجبة.
[10900]:راجع جـ 20 ص 91 فما بعد.
[10901]:راجع جـ 1 ص 448.