التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا} (65)

جملة مستأنفة من كلام الله تعالى كما يقتضيه قوله { فاعْبُدْهُ } إلى آخره ذيل به الكلام الذي لقنه جبريل المتضمن : أن الملائكة لا يتصرفون إلاّ عن إذن ربّهم وأنّ أحوالهم كلّها في قبضته بما يفيد عموم تصرفه تعالى في سائر الكائنات ، ثمّ فرع عليه أمر الرسول عليه السلام بعبادته ، فقد انتقل الخطاب إليه .

وارتفع { رَبُّ السموات } على الخبرية لمبتدأ محذوف ملتزم الحذف في المقام الذي يذكر فيه أحد بأخبار وأوصاف ثم يراد تخصيصه بخبر آخر . وهذا الحذف سمّاه السكاكي بالحذف الذي اتّبِع فيه الاستعمال كقول الصولي أو ابن الزّبير بفتح الزاي وكسر الموحدة :

سأشكر عَمْرَاً إنْ تراختْ منيتــي *** أياديَ لم تُمنَنْ وإنْ هـــيَ جلّتِ

فتىً غيرُ محجوب الغنى عن صديقه *** ولا مظهرُ الشكوى إذا النعل زلّت

والسماوات : العوالم العلوية . والأرض : العالم السفلي ، وما بينهما : الأجواء والآفاق . وتلك الثلاثة تعم سائر الكائنات .

والخطاب في { فَاعبُدهُ واصْطَبِر } و { هَلْ تَعْلَمُ } للنبيء صلى الله عليه وسلم

وتفريع الأمر بعبادته على ذلك ظاهر المناسبة ويحصل منه التخلّص إلى التنويه بالتّوحيد وتفظيع الإشراك .

والاصطبار : شدّة الصبر على الأمر الشاق ، لأنّ صيغة الافتعال تَرِد لإفادة قوّة الفعل . وكان الشأن أن يعدى الاصطبار بحرف ( على ) كما قال تعالى : { وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } [ طه : 132 ] ولكنه عدي هنا باللاّم لتضمينه معنى الثّبات . أي اثبت للعبادة ، لأنّ العبادة مراتب كثيرة من مجاهدة النفس ، وقد يغلب بعضها بعض النّفوس فتستطيع الصبر على بعض العبادات دون بعض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء : « هي أثقل صلاة على المنافقين » فلذلك لما أمر الله رسوله بالصبر على العبادة كلها وفيها أصناف جمّة تحتاج إلى ثبات العزيمة ، نزل القائم بالعبادة منزلة المغالب لنفسه ، فعدي الفعل باللاّم كما يقال : اثبت لعُدَاتك .

وجملة { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } واقعة موقع التعليل للأمر بعبادته والاصطبار عليها .

والسميّ هنا الأحسن أن يكون بمعنى المُسامي ، أي المماثل في شؤونه كلها . فعن ابن عباس أنه فسّره بالنظير ، مأخوذاً من المساماة فهو فعيل بمعنى فاعل ، لكنه أخذ من المزيد كقول عمرو بن معد يكرب :

أمن ريحانة الداعي السميع

أي المُسمع . وكما سمي تعالى الحكيم ، أي المُحكم للأمور ، فالسميّ هنا بمعنى المماثل في الصفات بحيث تكون المماثلة في الصفات كالمساماة .

والاستفهام إنكاري ، أي لا مسامي لله تعالى ، أي ليس من يساميه ، أي يضاهيه ، موجوداً .

وقيل السميّ : المماثل في الاسم . كقوله في ذكر يحيى { لم نجعل له من قبل سمياً } [ مريم : 7 ] . والمعنى : لا تعلم له مماثلاً في اسمه الله ، فإن المشركين لم يسموا شيئاً من أصنامهم الله باللاّم وإنّما يقولون للواحد منها إله ، فانتفاء تسمية غيره من الموجودات المعظمة باسمه كناية عن اعتراف الناس بأن لا مماثل له في صفة الخالقية ، لأنّ المشركين لم يجترئوا على أن يدعوا لآلهتهم الخالقية . قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله } [ لقمان : 25 ] . وبذلك يتمّ كون الجملة تعليلاً للأمر بإفراده بالعبادة على هذا الوجه أيضاً .

وكنّي بانتفاء العلم بسميّه عن انتفاء وجود سميّ له ، لأنّ العلم يستلزم وجود المعلوم ، وإذا انتفى مماثله انتفى من يستحق العبادة غيره .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا} (65)

قوله تعالى : " رب السماوات والأرض وما بينهما " أي ربهما وخالقهما وخالق ما بينهما ومالكهما ومالك ما بينهما ، فكما إليه تدبير الأزمان كذلك إليه تدبير الأعيان . " فاعبده أي وحده لذلك وفي هذا دلالة على أن اكتسابات الخلق مفعولة لله تعالى ، كما يقول أهل الحق ، وهو القول الحق ؛ لأن الرب في هذا الموضوع لا يمكن حمله على معنى من معانيه إلا على المالك ، وإذا ثبت أنه مالك ما بين السماء والأرض دخل في ذلك اكتساب الخلق ووجبت عبادته لما ثبت أنه المالك على الإطلاق ، وحقيقة العبادة الطاعة بغاية الخضوع ، ولا يستحقها أحد سوى المالك المعبود " واصطبر لعبادته " أي لطاعته ولا تحزن لتأخير الوحي عنك ، بل اشتغل بما أمرت به ، وأصل اصطبر اصتبر فثقل الجمع بين التاء والصاد لاختلافهما ، فأبدل من التاء طاء كما تقول من الصوم اصطام .

" هل تعلم له سميا " قال ابن عباس : يريد هل تعلم له ولدا أي نظيرا{[10902]} أو مثلا أو شبيها يستحق مثل اسمه الذي هو الرحمن . وقال مجاهد : مأخوذ من المساماة ، وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال ( هل تعلم له ولدا أي نظيرا أو مثلا أو شبيها يستحق مثل اسمه الذي هو الرحمن ) وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : ( هل تعلم له أحدا سمي الرحمن ) . قال النحاس : وهذا أجل إسناد علمته ، روي في هذا الحرف وهو قول صحيح ، ولا يقال الرحمن إلا لله .

قلت : وقد مضى هذا مبينا في البسملة{[10903]} والحمد لله ، روى ابن أبي نجيح عن مجاهد( هل تعلم له سميا ) قال : مثلا . ابن المسيب : عدلا . قتادة والكلبي : هل تعلم أحدا يسمى الله تعالى غير الله ، أو يقال له الله إلا الله ، وهل بمعنى لا ، أي لا تعلم . والله تعالى أعلم .


[10902]:في ظ الأولى: أي. خطأ.
[10903]:راجع جـ 1 ص 103 فما بعد.