التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَـٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩} (58)

الجملة استئناف ابتدائي ، واسم الإشارة عائد إلى المذكورين من قوله { ذكر رحمة ربك عبده زكرياء } [ مريم : 2 ] إلى هنا . والإتيان به دون الضمير للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما يذكر بعد اسم الإشارة لأجل ما ذكر مع المشار إليهم من الأوصاف ، أي كانوا أحرياء بنعمة الله عليهم وكونهم في عداد المهديين المجتبيْن وخليقين بمحبتهم لله تعالى وتعظيمهم إياه .

والمذكور بعد اسم الإشارة هو مضمون قوله { أنعم الله عليهم } وقوله { وممّن هدينا واجتبينا } ، فإن ذلك أحسن جزاء على ما قدموه من الأعمال ، ومن أعطوه من مزايا النبوءة والصديقية ونحوهما . وتلك وإن كانت نعماً وهداية واجتباء فقد زادت هذه الآية بإسناد تلك العطايا إلى الله تعالى تشريفاً لها ، فكان ذلك التشريف هو الجزاء عليها إذ لا أزيد من المجازَى عليه إلاّ تشريفه .

وقرأ الجمهور { من النّبييّن } بياءين بعد الموحدة . وقرأه نافع وحده بهمزة بعد الموحدة .

وجملة { إذَا تتلى عَليهم ءَاياتُ الرَّحْمانِ } مستأنفة دالة على شكرهم نعم الله عليهم وتقريبه إياهم بالخضوع له بالسجود عند تلاوة آياته وبالبكاء .

والمراد به البكاء الناشىء عن انفعال النفس انفعالاً مختلطاً من التعظيم والخوف .

و { سُجداً } جمع ساجد . و{ بُكيّاً } جمع بَاك . والأول بوزن فُعّل مثل عُذَّل ، والثاني وزنه فعُول جمع فاعل مثل قوم قعود ، وهو يائي لأنّ فعله بكى يبكي ، فأصله : بُكُويٌ . فلما اجتمع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وحركت عين الكلمة بحركة مناسبة للياء . وهذا الوزن سماعي في جمع فاعل ومثله .

وهذه الآية من مواضع سجود القرآن المروية عن النبي اقتداء بأولئك الأنبياء في السجود عند تلاوة القرآن ، فهم سجدوا كثيراً عند تلاوة آيات الله التي أنزلت عليهم ، ونحن نسجد اقتداء بهم عند تلاوة الآيات التي أنزلت إلينا . وأثنت على سجودهم قصداً للتشبه بهم بقدر الطاقة حين نحن متلبسون بذكر صنيعهم .

وقد سجد النبي عند هذه الآية وسنّ ذلك لأمته .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَـٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩} (58)

فيه أربع مسائل :

الأولى-قوله تعالى : " أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم " يريد إدريس وحده . " وممن حملنا مع نوح " يريد إبراهيم وحده " ومن ذرية إبراهيم " يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب . " و " من ذرية " إسرائيل " موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى . فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم ، ولإبراهيم شرف القرب من نوح ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب شرف القرب من إبراهيم . " وممن هدينا " أي إلى الإسلام : " واجتبينا " بالإيمان . " إذا تتلى عليهم آيات الرحمن " وقرأ شبل بن عباد المكي " يتلى " بالتذكير لأن التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل . " خروا سجدا وبكيا .

وصفهم بالخشوع لله والبكاء . وقد مضى في " سبحان " {[10884]} [ الإسراء : 1 ] . يقال بكى يبكي بكاء وبكى بكيا ، إلا أن الخليل قال : إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن ، أي ليس معه صوت كما قال الشاعر{[10885]} :

بكت عيني وحُقَّ لها بُكَاهَا *** وما يغني البكاء ولا العويلُ

" وسجدا " نصب على الحال " وبكيا " عطف عليه .

الثانية-في هذه الآية{[10886]} دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيرا في القلوب . قال الحسن ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) الصلاة . وقال الأصم : المراد بآيات الرحمن الكتب المتضمنة لتوحيده وحججه ، وأنهم كانوا يسجدون عند تلاوتها ، ويبكون عند ذكرها . والمروى عن ابن عباس أن المراد به القرآن خاصة ، وأنهم كانوا يسجدون ويبكون عند تلاوته ، قال الكيا : وفي هذا دلالة من قوله على أن القرآن هو الذي كان يتلى على جميع الأنبياء ، ولو كان كذلك لما كان الرسول عليه الصلاة والسلام مختصا بإنزاله إليه .

الثالثة-احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على وجوب سجود القرآن على المستمع والقارئ . قال الكيا : وهذا بعيد فإن هذا الوصف شامل لكل آيات الله تعالى . وضم السجود إلى البكاء ، وأبان به عن طريقة الأنبياء الصلاة والسلام في تعظيمهم لله تعالى وآياته ، وليس فيه دلالة على وجوب ذلك عند آية مخصوصة .

الرابعة- قال العلماء : ينبغي لمن قرأ سجدة أن يدعو فيها بما يليق بآياتها ، فإن قرأ سورة السجدة " الم تنزيل " قال : اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك ، المسبحين بحمدك ، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك . وإن قرأ سجدة " سبحان " قال : اللهم اجعلني من الباكين إليك ، الخاشعين لك . وإن قرأ هذه قال : اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم ، المهديين الساجدين لك ، الباكين عند تلاوة آياتك .


[10884]:راجع جـ 10 ص 341 فما بعد.
[10885]:هو عبد الله بن رواحة يبكي بن عبد المطلب، رحمه الله وأنشده أبو زيد لكعب بن مالك في أبيات.
[10886]:من ك.