التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا} (71)

إذا وقع الإخبار عن شيء أو توصيفٌ له أو حالةٌ منه بمرادف لما سبق مثله في المعنى دون زيادة تعيَّن أن يكون الخبر الثاني مستعملاً في شيء من لوازم معنى الإخبار يبيّنه المقام ، كقول أبي الطَّمحان لقَيْنِي : {[298]}

وإني من القوم الذين هُمُ هُمُ

وقول أبي النجم :

أنا أبو النجم وشعري شعري

وقول النبي صلى الله عليه وسلم « من رَآني في المنام فقد رآني » فقوله تعالى هنا : { ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً } وقع الإخبار عن التائب بأنه تائب إذ المتاب مصدر ميمي بمعنى التوبة فيتعيّن أن يُصرف إلى معنى مفيد ، فيجوز أن يكون المقصود هو قوله : { إلى الله } فيكون كناية عن عظيم ثوابه .

ويجوز أن يكون المقصود ما في المضارع من الدلالة على التجدد ، أي فإنه يستمر على توبته ولا يرتد على عَقبيه فيكون وعداً من الله تعالى أن يُثبّته على القول الثابت إذا كان قد تاب وأيّد توبته بالعمل الصالح .

ويجوز أن يكون المقصود ما للمفعول المطلق من معنى التأكيد ، أي من تاب وعمل صالحاً فإن توبته هي التوبة الكاملة الخالصة لله على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم « إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرىء ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه » فيكون كقوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا توبُوا إلى الله توبة نصوحاً } [ التحريم : 8 ] . وذكر المفسرون احتمالات أخرى بعيدة .

والتوكيد ب ( إنّ ) على التقادير كلها لتحقيق مضمون الخبر .


[298]:- الطمحان بطاء مهملة فميم مفتوحة فحاء مهملة، واسمه حنظلة، شاعر إسلامي.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا} (71)

قوله تعالى : " ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا " لا يقال : من قام فإنه يقوم ؛ فكيف قال من تاب فإنه يتوب ؟ فقال ابن عباس : المعنى من آمن من أهل مكة وهاجر ولم يكن قتل وزنى بل عمل صالحا وأدى الفرائض فإنه يتوب إلى الله متابا ؛ أي فإني قدمتهم وفضلتهم على من قاتل النبي صلى الله عليه وسلم واستحل المحارم . وقال القفال : يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين ، ولهذا قال : " إلا من تاب وآمن " [ مريم : 60 ] ثم عطف عليه من تاب من المسلمين واتبع توبته عملا صالحا فله حكم التائبين أيضا . وقيل : أي من تاب بلسانه ولم يحقق ذلك بفعله ، فليست تلك التوبة نافعة ، بل من تاب وعمل صالحا فحقق توبته بالأعمال الصالحة فهو الذي تاب إلى الله متابا ، أي تاب حق التوبة وهي النصوح ولذا أكد بالمصدر . ف " متابا " مصدر معناه التأكيد ، كقوله : " وكلم الله موسى تكليما " [ النساء : 164 ] أي فإنه يتوب إلى الله حقا فيقبل الله توبته حقا .