التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{طسٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

اشتهرت عند السلف بسورة الشعراء لأنها تفردت من بين سور القرآن بذكر كلمة الشعراء . وكذلك جاءت تسميتها في كتب السنة . وتسمى أيضا سورة طسم .

وفي أحكام ابن العربي أنها تسمى أيضا الجامعة ، ونسبه أبن كثير والسيوطي في الإتقان إلى تفسير مالك المروي عنه{[1]} . ولم يظهر وجه وصفها بهذا الوصف . ولعلها أول سورة جمعت ذكر الرسل أصحاب الشرائع المعلومة إلى الرسالة المحمدية .

وهي مكية ، فقيل جميعها مكي ، وهو المروي عن ابن الزبير . ورواية عن ابن عباس ونسبه ابن عطية إلى الجمهور . وروي عن ابن عباس أن قوله تعالى { والشعراء يتبعهم الغاوون } إلى آخر السورة نزل بالمدينة لذكر شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت وابن رواحة وكعب بن مالك وهم المعني بقوله { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الآية . ولعل هذه الآية هي التي أقدمت هؤلاء على القول بأن تلك الآيات مدنية . وعن الداني قال : نزلت { والشعراء يتبعهم الغاوون } في شاعرين تهاجيا في الجاهلية .

وأقول : كان شعراء بمكة يهجون النبي صلى الله عليه وسلم منهم النضر بن الحارث ، والعوراء بنت حرب زوج أبي لهب ونحوهما ، وهم المراد بآيات { والشعراء يتبعهم الغاوون } . وكان شعراء المدينة قد أسلموا قبل الهجرة وكان في مكة شعراء مسلمون من الذين هاجروا إلى الحبشة كما سيأتي .

وعن مقاتل : أن قوله تعالى { أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل } نزل بالمدينة . وكان الذي دعاه إلى ذلك أن مخالطة علماء بني إسرائيل كانت بعد الهجرة . ولا يخفى أن الحجة لا تتوقف على وقوع مخالطة علماء بني إسرائيل ؛ فقد ذكر القرآن مثل هذه الحجة في آيات نزلت بمكة ، من ذلك قوله { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } في سورة الرعد وهي مكية ، وقوله { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } في سورة القصص وهي مكية ، وقوله { وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } في سورة العنكبوت وهي مكية . وشأن علماء بني إسرائيل مشهور بمكة وكان لأهل مكة صلات مع اليهود بالمدينة ومراجعة بينهم في شأن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كما تقدم عند قوله تعالى { ويسألونك عن الروح } في سورة الإسراء ، ولذا فالذي نوقن به أن السورة كلها مكية .

وهي السورة السابعة والأربعون في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الواقعة وقبل سورة النمل . وسيأتي في تفسير قوله تعالى { وأنذر عشيرتك الأقربين } ما يقتضي أن تلك الآية نزلت قبل نزول سورة أبي لهب وتعرضنا لإمكان الجمع بين الأقوال .

وقد جعل أهل المدينة وأهل مكة وأهل البصرة عدد آيها مائتين وستا وعشرين ، وجعله أهل الشام وأهل الكوفة مائتين وسبعا وعشرين .

الأغراض التي اشتملت عليها

أولها التنويه بالقرآن ، والتعريض بعجزهم عن معارضته ، وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من إعراض قومه عن التوحيد الذي دعاهم إليه القرآن .

وفي ضمنه تهديدهم على تعرضهم لغضب الله تعالى ، وضرب المثل لهم بما حل بالأمم المكذبة رسلها والمعرضة عن آيات الله .

وأحسب أنها نزلت إثر طلب المشركين أن يأتيهم الرسول بخوارق ، فافتتحت بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت له ورباطة لجأشه بأن ما يلاقيه من قومه هو سنة الرسل من قبله مع أقوامهم مثل موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ؛ ولذلك ختم كل استدلال جيء به على المشركين المكذبين بتذييل واحد هو قوله { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } تسجيلا عليهم بأن آيات الوحدانية وصدق الرسل عديدة كافية لمن يتطلب الحق ولكن أكثر المشركين لا يؤمنون وأن الله عزيز قادر على أن ينزل بهم العذاب وأنه رحيم برسله فناصرهم على أعدائهم .

قال في الكشاف : كل قصة من القصص المذكورة في هذه السورة كتنزيل برأسه . وفيها من الاعتبار ما في غيرها فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تختم بما اختتمت به صاحبتها ، ولأن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلب وأرسخ في الفهم وأبعد من النسيان ، ولأن هذه القصص طرقت بها إذان وقرت عن الإنصات للحق فكوثرت بالوعظ والتذكير وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح أذنا أو يفتق ذهنا اه .

ثم التنويه بالقرآن ، وشهادة أهل الكتاب له ، والرد على مطاعنهم في القرآن وجعله عضين ، وأنه منزه عن أن يكون شعرا ومن أقوال الشياطين ، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته ، وأن الرسول ما عليه إلا البلاغ ، وما تخلل ذلك من دلائل .

يأتي في تفسيره من التأويلات ما سبق ذِكره في جميع الحروف المقطعة في أوائل السور في معان متماثلة . وأظهر تلك المعاني أن المقصود التعريض بإلهاب نفوس المنكرين لمعارضة بعض سور القرآن بالإتيان بمثله في بلاغته وفصاحته وتحدّيهم بذلك والتورك عليهم بعجزهم عن ذلك .

وعن ابن عباس : أن { طَسم } قَسَم ، وهو اسم من أسماء الله تعالى ، والمقسم عليه قوله : { إن نَشَأ نُنزّل عليهم من السماء آية } [ الشعراء : 4 ] . فقال القرظي : أقسم الله بطوله وسَنائه ومُلكه . وقيل الحروف مقتضبة من أسماء الله تعالى ذي الطَّول ، القدوس ، الملك . وقد علمت في أول سورة البقرة أنها حروف للتهجّي واستقصاء في التحدّي يعجزهم عن معارضة القرآن ، وعليه تظهر مناسبة تعقيبه بآية { تلك آيات الكتاب المبين } [ الشعراء : 2 ] .

والجمهور قرأوا : { طَسمِّ } كلمة واحدة ، وأدغموا النون من سين في الميم وقرأ حمزة بإظهار النون . وقرأ أبو جعفر حروفاً مفككة ، قالوا وكذلك هي مرسومة في مصحف ابن مسعود حروفاً مفككة ( ط س م ) .

والقول في عدم مَدّ اسم ( طَا ) مع أن أصله مهموز الآخر لأنه لما كان قد عرض له سكون السكت حذفت همزته كما تحذف للوقف ، كما تقدم في عدم مدّ ( رَا ) في { الر } في سورة يونس ( 1 ) .


[1]:محمد بن علي البصري الشافعي المعتزلي المتوفى سنة 439هـ له كتاب "المعتمد في أصول الفقه".
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{طسٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

هي مكية في قول الجمهور . وقال مقاتل : منها مدني ، الآية التي يذكر فيها الشعراء ، وقوله : " أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل " [ الشعراء : 197 ] . وقال ابن عباس وقتادة : مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة من قوله : " والشعراء يتبعهم الغاوون " [ الشعراء : 224 ] إلى آخرها . وهي مائتان وسبع وعشرون آية . وفي رواية : ست وعشرون . وعن ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأول وأعطيت طه وطسم من ألواح موسى وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة ) . وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة وأعطاني المبين مكان الإنجيل وأعطاني الطواسين مكان الزبور وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي ) .

قوله تعالى : " طسم " قرأ الأعمش ويحيى وأبو بكر والمفضل وحمزة والكسائي وخلف : بإمالة الطاء مشبعا في هذه السورة وفي أختيها . وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري : بين اللفظين ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم . وقرأ الباقون بالفتح مشبعا . قال الثعلبي : وهي كلها لغات فصيحة . وقد مضى في " طه " {[12183]} قول النحاس في هذا . قال النحاس : وقرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي : " طسم " بإدغام النون في الميم ، والفراء يقول بإخفاء النون . وقرأ الأعمش : وحمزة : " طسين ميم " بإظهار النون . قال النحاس : للنون الساكنة والتنوين أربعة أقسام عند سيبويه : يبينان عند حروف الحلق ، ويدغمان عند الراء واللام والميم والواو والياء ، ويقلبان ميما عند الباء ويكونان من الخياشيم ، أي لا يبينان ، فعلى هذه الأربعة الأقسام التي نصها سيبويه لا تجوز هذه القراءة ؛ لأنه ليس ها هنا حرف من حروف الحلق فتبين النون عنده ، ولكن في ذلك وجيه : وهو أن حروف المعجم حكمها أن يوقف عليها ، فإذا وقف عليها تبينت النون . قال الثعلبي : الإدغام اختيار أبي عبيد وأبي حاتم قياسا على كل القرآن ، وإنما أظهرها أولئك للتبيين والتمكين ، وأدغمها هؤلاء لمجاورتها حروف الفم . قال النحاس : وحكى أبو إسحاق في كتابه " فيما يجرى وفيما لا يجرى " أنه يجوز أن يقال : " طسين ميم " بفتح النون وضم الميم ، كما يقال هذا معدي كرب . وقال أبو حاتم : قرأ خالد : " طسين ميم " . ابن عباس : " طسم " قسم وهو اسم من أسماء الله تعالى ، والمقسم عليه : " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية " . وقال قتادة : اسم من أسماء القرآن أقسم الله به . مجاهد : هو اسم السورة ؛ ويحسن افتتاح السورة . الربيع : حساب مدة قوم . وقيل : قارعة تحل بقوم . " طسم " و " طس " واحد . قال{[12184]} :

وفاؤكما كالرَّبْعِ أشْجَاهُ طاسِمُهْ *** بأن تُسْعِدَا والدمعُ أشفاه ساجِمُهْ

وقال القرظي : أقسم الله بطول وسنائه وملكه . وقال عبد الله بن محمد بن عقيل : الطاء طور سيناء والسين إسكندرية والميم مكة . وقال جعفر بن محمد بن علي : الطاء شجرة طوبى ، والسين سدرة المنتهى ، والميم محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : الطاء من الطاهر والسين من القدوس - وقيل : من السميع وقيل : من السلام - والميم من المجيد . وقيل : من الرحيم . وقيل : من الملك . وقد مضى هذا المعنى في أول سورة " البقرة " {[12185]} . والطواسيم والطواسين سور في القرآن جمعت على غير قياس . وأنشد أبو عبيدة :

وبالطواسيم التي قد ثُلِّثَت *** وبالحواميم التي قد سُبِّعَتْ

قال الجوهري : والصواب أن تجمع بذوات وتضاف إلى واحد ، فيقال : ذوات طسم وذوات حم .


[12183]:راجع ج 11 ص 168 طبعة أولى أو ثانية.
[12184]:هو المتنبي، والبيت مطلع قصيدة له مدح بها أبا الحسن علي بن عبد الله العدوي. وأشجاه: أحزنه. والطاسم: الدارس. والساجم: السائل. والمعنى: طلب وفاءهما بالإسعاد وهو الإعانة على البكاء والموافقة، ولذلك قال:( والدمع أشفاه ساجمه) والمعنى أبكيا معي بدمع في غاية السجوم فهو أشفى للوجد، فإن الربع في غاية الطسوم وهو أشجى للمحب. وأراد بالوفاء هنا بالبكاء لنهما عاهداه على الإسعاد. "شرح التبيان ج 2 للعكبري".
[12185]:راجع ج 1 ص 154 طبعة ثانية أو ثالثة.