التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ} (75)

وأجري على الأصنام ضمير جمع العقلاء في قوله : { لا يستطيعون } لأنهم سموهم بأسماء العقلاء وزعموا لهم إدراكاً .

وضمير { وهُمْ } يجوز أن يعود إلى { ءَالِهَة } تبعاً لضمير { لا يستطيعون } .

وضمير { لَهُم } للمشركين ، أي والأصنام للمشركين جند محضَرون ، والجند العدد الكثير . والمحضر الذي جيء به ليحضر مشهداً . والمعنى : أنهم لا يستطيعون النصر مع حضورهم في موقف المشركين لمشاهدة تعذيبهم ومع كونهم عدداً كثيراً ولا يقدرون على نصر المتمسكين بهم ، أي هم عاجزون عن ذلك ، وهذا تأييس للمشركين من نفع أصنامهم . ويجوز العكس ، أي والمشركون جند لأصنامهم محضرون لخدمتها . ويجوز أن يكون هذا إخباراً عن حالهم مع أصنامهم في الدنيا وفي الآخرة .

وينبغي أن تكون جملة { وهم لهم جندٌ مُحضرونَ } في موضع الحال ، والواو واو الحال من ضمير { يستطيعون } ، أي ليس عدم استطاعتهم نصرهم لبعد مكانهم وتأخر الصريخ لهم ولكنهم لا يستطيعون وهم حاضرون لهم ، واللام في { لَهُم } للأجَل ، أي أن الله يحضر الأصنام حين حشر عبدتها إلى النار ليُري المشركين خطَل رأيهم وخيبة أملهم ، فهذا وعيد بعذاب لا يجدون منه ملجأ .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ} (75)

" لا يستطيعون نصرهم " يعني الآلهة . وجمعوا بالواو والنون ؛ لأنه أخبر عنهم بخبر الآدميين . " وهم " يعني الكفار " لهم " أي للآلهة " جند محضرون " قال الحسن : يمنعون منهم ويدفعون عنهم . وقال قتادة : أي يغضبون لهم في الدنيا . وقيل : المعنى أنهم يعبدون الآلهة ويقومون بها ، فهم لها بمنزلة الجند وهي لا تستطيع أن تنصرهم . وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى . وقيل : إن الآلهة جند للعابدين محضرون معهم في النار . فلا يدفع بعضهم عن بعض . وقيل : معناه وهذه الأصنام لهؤلاء الكفار جند الله عليهم في جهنم ؛ لأنهم يلعنونهم ويتبرؤون من عبادتهم . وقيل : الآلهة جند لهم محضرون يوم القيامة لإعانتهم في ظنونهم . وفي الخبر : ( إنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله فيتبعونه إلى النار ؛ فهم لهم جند محضرون )

قلت : ومعنى هذا الخبر ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ، وفي الترمذي عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول ألا ليتبع كل إنسان ما كان يعبد فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون . . . ) وذكر الحديث بطوله .