التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ} (79)

وأُمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول له { يحييها الذي أنشأها } أمر بجواب على طريقة الأسلوب الحكيم بحمل استفهام القائل على خلاف مراده لأنه لما قال : { من يُحي العظامَ وهي رميمٌ } لم يكن قاصداً تطلب تعيين المحيي وإنما أراد الاستحالة ، فأجيب جواب مَن هو متطلبٌ علماً . فقيل له : { يُحييهَا الذي أنشأها أوَّلَ مرةٍ } . فلذلك بني الجواب على فعل الإِحياء مسنداً للمُحيي ، على أن الجواب صالح لأن يكون إبطالاً للنفي المراد من الاستفهام الإِنكاري كأنه قيل : بل يحييها الذي أنشأها أول مرة . ولم يُبنَ الجواب على بيان إمكان الإِحياء وإنما جعل بيانُ الإِمكان في جعل المسند إليه موصولاً لتدل الصلة على الإِمكان فيحصل الغرضان ، فالموصول هنا إيماء إلى وجه بناء الخبر وهو يحييها ، أي يحييها لأنه أنشأها أول مرة فهو قادر على إنشائها ثاني مرة كما أنشأها أول مرة . قال تعالى : { ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } [ الواقعة : 62 ] ، وقال : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } [ الروم : 27 ] .

وذيل هذا الاستدلال بجملة { وهو بكل خلقٍ علِيمٌ } أي واسع العلم محيط بكل وسائل الخلق التي لا نعلمها : كالخلق من نطفة ، والخلق من ذرة ، والخلق من أجزاء النبات المغلقة كسُوس الفول وسُوس الخشب ، فتلك أعجب من تكوين الإِنسان من عظامه .

وفي تعليق الإِحياء بالعظام دلالة على أن عظام الحيّ تحلّها الحياة كلحمه ودمه ، وليست بمنزلة القصب والخشب وهو قول مالك وأبي حنيفة ولذلك تنجس عظام الحيوان الذي مات دون ذكاة . وعن الشافعي : أنّ العظم لا تحله الحياة فلا ينجس بالموت . قال ابن العربي : وقد اضطرب أرباب المذاهب فيه . والصحيح ما ذكرناه ، يعني أن بعضهم نسب إلى الشافعي موافقة قول مالك وهو قول أحمد فيصير اتفاقاً وعلماء الطب يثبتون الحياة في العظام والإِحساسَ . وقال ابن زُهر الحكيم الأندلسي في كتاب « التيسير » : إن جالينوس اضطرب كلامه في العظام هل لها إحساساً والذي ظهر لي أن لها إحساساً بطيئاً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ} (79)

" قل يحييها الذي أنشأها أول مرة " قيل : إن هذا الكافر قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن سحقتها وأذريتها في الريح أيعيدها الله ! فنزلت : " قل يحييها الذي أنشأها أول مرة " أي من غير شيء فهو قادر على إعادتها في النشأة الثانية من شيء وهو عجم الذنب . ويقال عجب الذنب بالباء . " وهو بكل خلق عليم " عليم كيف يبدئ ويعيد .

الثانية- في هذه الآية دليل على أن في العظام حياة وأنها تنجس بالموت . وهو قول أبي حنيفة{[13235]} وبعض أصحاب الشافعي . وقال الشافعي رضي الله عنه : لا حياة فيها . وقد تقدم هذا في " النحل " . فإن قيل : أراد بقوله " من يحي العظام " أصحاب العظام وإقامة المضاف مقام المضاف إليه كثير في اللغة ، موجود في الشريعة . قلنا : إنما يكون إذ احتيج لضرورة وليس ها هنا ضرورة تدعو إلى هذا الإضمار ، ولا يفتقر إلى هذا التقدير ، إذا الباري سبحانه قد أخبر به وهو قادر عليه والحقيقة تشهد له ؛ فإن الإحساس الذي هو علامة الحياة موجود فيه . قاله ابن العربي .


[13235]:هذا يخالف مذهب الحنفية وما تقدّم للمؤلف في ج 10 ص 155 من أن أبا حنيفة يقول بطهارة عظم الميتة.