التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلۡ يَاسِينَ} (130)

قوله : { آلْ ياسينَ } قيل أريد به إلياس خاصة وعبر عنه ب { ياسين } لأنه يُدعَى به . قال في « الكشاف » : ولعل لزيادة الألف والنون في لغتهم معنى ويكون ذكر { آل } إقحاماً كقوله : { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } [ غافر : 46 ] على أحد التفسيرين فيه ، وفي قوله : { فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة } [ النساء : 54 ] .

وقيل : إن ياسين هو أبو إلياس . فالمراد : سلام على إلياس وذويه من آل أبيه .

وقرأ نافع وابن عامر { ءال يَاسِينَ بهمزة بعدهَا ألف على أنهما كلمتان آل و ( ياسين ) . وقرأه الباقون بهمزة مكسورة دون ألف بعدها وبإسكان اللام على أنها كلمة واحدة هي اسم إلياس وهي مرسومة في المصاحف كلها على قطعتين آل ياسينَ } ولا منافاة بينها وبين القراءتين لأن آل قد ترسم مفصولة عن مدخولها . والأظهر أن المراد ب { آلْ ياسينَ } أنصاره الذين اتّبعوه وأعانوه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " آل محمد كلّ تَقي " {[350]} وهؤلاء هم أهل ( جبل الكرمل ) الذين استنجدهم إلياس على سدنة بعل فأطاعوه وأنجدوه وذبحوا سدنة بعل كما هو موصوف بإسهاب في الإِصحاح الثامن عشر من سفر الملوك الأول . فيكون المعنى : سلام على ياسين وآله ، لأنه إذا حصلت لهم الكرامة لأنهم آلُهُ فهو بالكرامة أولى .

وفي قصة إلياس إنباء بأن الرسول عليه أداء الرسالة ولا يلزم من ذلك أن يشاهد عقاب المكذِّبين ولا هلاكَهم للرد على المشركين الذين قالوا : { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } [ يونس : 48 ] قال تعالى : { قل ربِّ إمَّا تُرينِّي ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون } [ المؤمنون : 93 - 95 ] ، وقال تعالى : { فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون } [ غافر : 77 ] وفي الآية الأخرى { وإلينا يرجعون } [ مريم : 40 ] .


[350]: - رواه الطبراني في الأوسط بسند ضعفوه.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلۡ يَاسِينَ} (130)

" سلام على إل ياسين " قراءة الأعرج وشيبة ونافع . وقرأ عكرمة وأبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي : " سلام على إلياسين " . وقرأ الحسن : " سلام على الياسين " بوصل الألف كأنها ياسين دخلت عليها الألف واللام التي للتعريف . والمراد إلياس عليه السلام ، وعليه وقع التسليم ولكنه اسم أعجمي . والعرب تضطرب في هذه الأسماء الأعجمية ويكثر تغييرهم لها . قال ابن جني : العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبا ، فياسين وإلياس والياسين شيء واحد . الزمخشري : وكان حمزة إذا وصل نصب وإذا وقف رفع . وقرئ : " على إلياسين " و " إدريسين وإدرسين وإدراسين " على أنها لغات في إلياس وإدريس . ولعل لزيادة الياء والنون في السريانية معنى . النحاس : ومن قرأ : " سلام على آل ياسين " فكأنه والله أعلم جعل اسمه إلياس وياسين ثم سلم على آله ، أي أهل دينه ومن كان على مذهبه ، وعلم أنه إذا سلم على آله من أجله فهو داخل في السلام ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم صل على آل أبي أوفى ) وقال الله تعالى : " أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " [ غافر : 46 ] . ومن قرأ " إلياسين " فللعلماء فيه غير قول . فروى هرون عن ابن أبي إسحاق قال : إلياسين مثل إبراهيم يذهب إلى أنه اسم له . وأبو عبيدة يذهب إلى أنه جمع جمع التسليم على أنه وأهل بيته سلم عليهم ، وأنشد :

قَدْنِي من نَصْرِ الخُبِيبَيْنِ قَدِي{[13298]}

يقال : قدني وقدي لغتان بمعنى حسب . وإنما يريد أبا خبيب عبد الله بن الزبير فجمعه على أن من كان على مذهبه داخل معه . وغير أبي عبيدة يرويه : الخبيبين على التثنية ، يريد عبد الله ومصعبا . ورأيت علي بن سليمان يشرحه بأكثر من هذا . قال :{[13299]} فإن العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم ، فيقولون : المهالبة على أنهم سموا كل رجل منهم بالمهلب . قال : فعلى هذا " سلام على إلياسين " سمي كل رجل منهم بإلياس . وقد ذكر سيبويه عي كتابه شيئا من هذا ، إلا أنه ذكر أن العرب تفعل هذا على جهة النسبة ، فيقولون : الأشعرون يريدون به النسب . المهدوي : ومن قرأ " إلياسين " فهو جمع يدل فيه إلياس فهو جمع إلياسي فحذفت ياء النسبة ، كما حذفت ياء النسبة في جميع المكسر في نحو المهالبة في جمع مهلبي ، كذلك حذفت في المسلم فقيل المهلبون . وقد حكى سيبويه : الأشعرون والنميرون يريدون الأشعريين والنميريين . السهيلي : وهذا لا يصح بل هي لغة في إلياس ، ولو أراد ما قالوه لأدخل الألف واللام كما تدخل في المهالبة والأشعريين ، فكان يقول : " سلام على الإلياسين " لأن العلم إذا جمع ينكر حتى يعرف بالألف واللام ، لا تقول : سلام على زيدين ، بل على الزيدين بالألف واللام . فإلياس عليه السلام فيه ثلاث لغات . النحاس : واحتج أبو عبيد في قراءته " سلام على إلياسين " وأنه اسمه كما أن اسمه إلياس لأنه ليس في السورة سلام على " آل " لغيره من الأنبياء صلى الله عليهم وسلم ، فكما سمي الأنبياء كذا سمي هو . وهذا الاحتجاج أصله لأبي عمرو وهو غير لازم ؛ لأنا بينا قول أهل اللغة أنه إذا سلم على آله من أجله فهو سلام عليه . والقول بأن اسمه " إلياسين " يحتاج إلى دليل ورواية ، فقد وقع في الأمر إشكال . قال الماوردي : وقرأ الحسن " سلام على ياسين " بإسقاط الألف واللام وفيه وجهان : أحدهما أنهم آل محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس . والثاني أنهم آل ياسين ، فعلى هذا في دخول الزيادة في ياسين وجهان : أحدهما : أنها زيدت لتساوي الآي ، كما قال في موضع : " طور سيناء " [ المؤمنون : 20 ] وفي موضع آخر " طور سينين " [ التين : 2 ] فعلى هذا يكون السلام على أهله دونه ، وتكون الإضافة إليه تشريفا له . الثاني : أنها دخلت للجمع فيكون داخلا في جملتهم فيكون السلام عليه وعليهم . قال السهيلي : قال بعض المتكلمين في معاني القرآن : آل ياسين آل محمد عليه السلام ، ونزع إلى قول من قال في تفسير " يس " يا محمد . وهذا القول يبطل من وجوه كثيرة : أحدها : أن سياقة الكلام في قصة إلياسين يلزم أن تكون كما هي في قصة إبراهيم ونوج وموسى وهارون وأن التسليم راجع عليهم ، ولا معنى للخروج عن مقصود الكلام لقول قيل في تلك الآية الأخرى مع ضعف ذلك القول أيضا ، فإن " يس " و " حم " و " الم " ونحو ذلك القول فيها واحد ، إنما هي حروف مقطعة ، إما مأخوذة من أسماء الله تعالى كما قال ابن عباس ، وإما من صفات القرآن ، وإما كما قال الشعبي : لله في كل كتاب سر ، وسره في القرآن فواتح القرآن . وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لي خمسة أسماء ) ولم يذكر فيها " يس " . وأيضا فإن " يس " جاءت التلاوة فيها بالسكون والوقف ، ولو كان اسما للنبي صلى الله عليه وسلم لقال : " يسن " بالضم ، كما قال تعالى : " يوسف أيها الصديق " [ يوسف : 46 ] وإذا بطل هذا القول لما ذكرناه ؛ ف " إلياسين " هو إلياس المذكور وعليه وقع التسليم . وقال أبو عمرو بن العلاء : هو مثل إدريس وإدراسين ، كذلك هو في مصحف ابن مسعود . " وإن إدريس لمن المرسلين " ثم قال : " سلام على إدراسين " .


[13298]:تمامه: * ليس الإمام بالشحيح الملحد* والبيت من أرجوزة لحميد الأرقط يمدح عبد الملك بن مروان، ويعرض بعبد الله بن الزبير، يرميه بالبخل والإلحاد في الحرم. وقيل هو لأبي بحدلة.
[13299]:الزيادة من إعراب القرآن للنحاس.