التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ} (145)

الفاء فصيحة لأنها تفصح عن كلام مقدر دل عليه قوله : { فلولا أنه كان من المُسبحين للبِثَ في بطنِهِ } [ الصافات : 143 - 144 ] . فالتقدير : يسبح ربه في بطن الحوت أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجاب الله له ونجاه كما في سورة الأنبياء . والمعنى : فلفظه الحوت وقاءهُ ، وحَمِلهُ الموج إلى الشاطىء .

والنبذ : الإِلقاء وأسند نَبذه إلى الله لأن الله هو الذي سخر الحوت لقذفه من بطنه إلى شاطىء لا شجَر فيه . والعراء : الأرض التي لا شجر فيها ولا ما يغطيها .

وكان يونس قد خرج من بطن الحوت سقيماً لأن أمعاء الحوت أضرّت بجلده بحركتها حوله فإنه كان قد نزع ثيابه عندما أريد رميه في البحر ليخف للسباحة ، ولعل الله أصاب الحوت بشبه الإِغماء فتعطلت حركة هضمه تعطلاً مّا فبقي كالخَدر لئلا تضر أمعاؤه لحم يونس .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ} (145)

قوله تعالى : { فنبذناه بالعراء وهو سقيم } ، وأنبتنا عليه شجرة من يقطين روي أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل . وقال ابن قسيط عن أبي هريرة : طرح يونس بالعراء وأنبت الله عليه يقطينة ، فقلنا : يا أبا هريرة وما اليقطينة ؟ قال : شجرة الدباء ، هيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض - أو هشاش الأرض - فتفشج عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خرج به - يعني الحوت - حتى لفظه في ساحل البحر ، فطرحه مثل الصبي المنفوس لم ينقص من خلقه شيء .

{ فنبذناه } : طرحناه ، وقيل : تركناه . { بالعراء } : بالصحراء ؛ قال ابن الأعرابي و الأخفش : بالفضاء ، وقال أبو عبيدة : الواسع من الأرض ، وقال الفراء : العراء المكان الخالي ، وقال أبو عبيدة : العراء وجه الأرض ، وأنشد لرجل من خزاعة :

ورفعتُ رِجْلاً لا أخافُ عِثَارَهَا *** ونَبَذْتُ بالبلد العَرَاءِ ثيابي

وحكى الأخفش في قوله : { وهو سقيم } : جمع سقيم : سقمى وسقامى وسقام ، وقال في هذه السورة : { فنبذناه بالعراء } وقال في " ن والقلم " : { لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم } [ القلم : 49 ] والجواب : أن الله عز وجل خبر ها هنا أنه نبذه بالعراء وهو غير مذموم ولولا رحمة الله عز وجل لنبذ بالعراء وهو مذموم ، قاله النحاس .