التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ} (140)

و{ أبَقَ } مصْدره إِباق بكسر الهمزة وتخفيف الباء وهو فرار العبد مِن مالكه . وفعله كضرب وسمع . والمراد هنا : أن يونس هرب من البلد الذي أوحي إليه فيه قاصداً بلداً آخر تخلصاً من إبلاغ رسالة الله إلى أهل ( نِينْوَى ) ولعله خاف بأسَهم واتّهم صبرَ نفسه على أذاهم المتوَّقعَ لأنهم كانوا من بني إسرائيل في حماية الأشوريين . ففِعل { أبَق } هنا استعارة تمثيلية ، شبّهت حالة خروجه من البلد الذي كلّفه ربه فيه بالرسالة تباعداً من كلفة ربه بإباق العبد من سيده الذي كلّفه عملاً .

و { الفُلك المشحون } : المملوء بالراكبين ، وتقدم معناه في قصة نوح .

وساهم : قَارع . وأصله مشتق من اسم السَّهم لأنهم كانوا يقترعون بالسهام وهي أعواد النبال وتُسمّى الأزلام .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ} (140)

الثانية- قوله تعالى : " إذ أبق " قال المبرد : أصل أبق تباعد ؛ ومنه غلام آبق . وقال غيره : إنما قيل ليونس أبق ؛ لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستترا من الناس . " إلى الفلك المشحون " أي المملوءة " والفلك " يذكر ويؤنث ويكون واحدا وجمعا وقد تقدم{[13304]} . قال الترمذي الحكيم : سماه آبقا لأنه أبق عن العبودية ، وإنما العبودية ترك الهوى وبذل النفس عند أمور الله ، فلما لم يبذل النفس عندما اشتدت عليه العزمة من الملك حسبما تقدم بيانه في " الأنبياء " ، وآثر هواه لزمه اسم الآبق ، وكانت عزمة الملك في أمر الله لا في أمر نفسه ، وبحظ حق الله لا بحظ نفسه ، فتحرى يونس فلم يصب الصواب الذي عند الله فسماه آبقا ومليما .


[13304]:راجع ج 2 ص 194 طبعة ثانية.