التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} (30)

لمّا جرى الكلام من أول السورة في مهيع إبطال الشرك وإثبات الوحدانية للإله ، وتوضيح الاختلاف بين حال المشركين وحال الموحّدين المؤمنين بما ينبىء بتفضيل حال المؤمنين ، وفي مهيع إقامة الحجة على بطلان الشرك وعلى أحقيّة الإِيمان ، وإرشاد المشركين إلى التبصر في هذا القرآن ، وتخلل في ذلك ما يقتضي أنهم غير مقلعين عن باطلهم ، وختم بتسجيل جهلهم وعدم علمهم ، خُتم هذا الغرض بإحالتهم على حكم الله بينهم وبين المؤمنين يوم القيامة حين لا يستطيعون إنكاراً ، وحين يلتفتون فلا يَرون إلا ناراً .

وقدم لذلك تذكيرهم بأن الناس كلهم صائرون إلى الموت فإن الموت آخر ما يذكر به السادر في غلوائه إذا كان قد اغتر بعظمة الحياة ولم يتفكر في اختيار طريق السلامة والنجاة ، وهذا من انتهاز القرآن فرص الإِرشاد والموعظة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} (30)

قوله تعالى : " إنك ميت وإنهم ميتون " قرأ ابن محيصن وابن أبي عبلة وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق " إنك مائت وإنهم مائتون " وهي قراءة حسنة وبها قرأ عبد الله بن الزبير . النحاس : ومثل هذه الألف تحذف في الشواذ و " مائت " في المستقبل كثير في كلام العرب ، ومثله ما كان مريضا وإنه لمارض من هذا الطعام . وقال الحسن والفراء والكسائي : الميت بالتشديد من لم يمت وسيموت ، والميت بالتخفيف من فارقته الروح ؛ فلذلك لم تخفف هنا . قال قتادة : نعيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ، ونعيت إليكم أنفسكم . وقال ثابت البناني : نعى رجل إلى صلة بن أشيم أخا له فوافقه يأكل ، فقال : ادن فكل فقد نعي إلي أخي منذ حين ، قال : وكيف وأنا أول من أتاك بالخبر . قال إن الله تعالى نعاه إلي فقال : " إنك ميت وإنهم ميتون " . وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أخبره بموته وموتهم ، فاحتمل خمسة أوجه : أحدها : أن يكون ذلك تحذيرا من الآخرة . الثاني : أن يذكره حثا على العمل . الثالث : أن يذكره توطئة للموت . الرابع : لئلا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره ، حتى أن عمر رضي الله عنه لما أنكر موته احتج أبو بكر رضي الله عنه بهذه الآية فأمسك . الخامس : ليعلمه أن الله تعالى قد سوى فيه بين خلقه مع تفاضلهم في غيره ؛ لتكثر فيه السلوة وتقل فيه الحسرة .