التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ} (31)

المقصود هو قوله : { إنَّكم يوم القيامةِ عندَ ربِّكُم تختصِمون } فاغتُنم هذا الغرض ليجتلب معه موعظة بما يتقدمه من الحوادث عسى أن يكون لهم بها مُعتبر ، فحصلت بهذا فوائد : منها تمهيد ذكر يوم القيامة ، ومنها التذكير بزوال هذه الحياة ، فهذان عامَّانِ للمشركين والمؤمنين ، ومنها حثّ المؤمنين على المبادرة للعمل الصالح ، ومنها إشعارهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يموت كما مات النبيئون من قبله ليغتنموا الانتفاع به في حياته ويحرصوا على ملازمة مجلسه ، ومنها أن لا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره ، ومنها تعليم المسلمين أن الله سوّى في الموت بين الخلق دون رعي لتفاضلهم في الحياة لتكثر السَّلْوة وتقل الحسرة .

فجملتا { إنَّكَ مَيّتٌ وإنَّهُم مَّيتُونَ } استئناف ، وعُطف عليهما { ثم إنَّكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } بحرف { ثمّ } الدال على الترتيب الرتبي لأن الإِنباء بالفصْل بينهم يوم القيامة أهم في هذا المقام من الإِنباء بأنهم صائرون إلى الموت .

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو خبر مستعمل في التعريض بالمشركين إذ كانوا يقولون : { نتربص به ريب المنون } [ الطور : 30 ] ، والمعنى : أن الموت يأتيك ويأتيهم فما يدري القائلون : { نتربص به ريب المنون } أن يكونوا يموتون قبلك ، وكذلك كان ، فقد رأى رسول الله مصارع أشدّ أعدائه في قَلِيب بدر ، قال عبد الله بن مسعود : دَعا رسول الله على أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي مُعيط وعمارة بن الوليد فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عدّهم رسول الله صرعى في القليب قليب بدر .

وضمير الغيبة في { وإنَّهُم مَّيّتُونَ } للمشركين المتحدث عنهم ، وأما المؤمنون فلا غرض هنا للإِخبار بأنهم ميّتون كما هو بيّن من تفسير الآية . وتأكيد الخبرين ب ( إنّ ) لتحقيق المعنى التعريضي المقصود منها .

والمراد بالميت : الصائر إلى الموت فهو من استعمال الوصف فيمن سيتصف به في المستقبل تنبيهاً على تحقيق وقوعه مثل استعمال اسم الفاعل في المستقبل كقوله تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة } [ البقرة : 30 ] .

والميت : هو من اتصف بالموت ، أي زالت عنه الحياة ، ومثله : الميْت بتخفيف السكون على الياء ، والتحقيق أنه لا فرق بينهما خلافاً للكسائي والفراء .

وتأكيد جملة { إنَّكم يوم القيامَةِ عند ربكم تَخْتَصِمُونَ } لرد إنكار المشركين البعث . وتقديم { عِندَ ربّكُم } على { تَخْتَصِمُونَ } للاهتمام ورعاية الفاصلة .

والاختصام : كناية عن الحكم بينهم ، أي يحكم بينكم فيما اختصمتم فيه في الدنيا من اثبات المشركين آلهة وإبطالكم ذلك ، فهو كقوله تعالى : { إن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } [ النحل : 124 ] . ويجوز أن يكون الاختصام أطلق على حكاية ما وقع بينهم في الدنيا حين تُعرض أعمالهم ، كما يقال : هذا تخاصُم فلان وفلان ، في طالع محضر خصومة ومقاولة بينهما يُقرأ بين يدي القاضي .

ويجوز أن تصوَّر خصومة بين الفريقين يومئذٍ ليفتضح المبطلون ويبهج أهل الحق على نحو ما قال تعالى : { إن ذلك لحقُ تخاصم أهل النار } [ ص : 64 ] .

وعلى الوجه الأول فضمير { إنَّكُمْ } عائد إلى مجموع ما عاد إليه ضمير { إنَّكَ } و { إنَّهُم } .

وعلى الوجهين الأخيرين يجوز أن يكون الضمير كما في الوجه الأول . ويجوز أن يكون عائداً إلى جميع الأمة وهو اختصام الظلامات ، وقد ورد تأويل الضمير على هذا المعنى فيما رواه النسائي وغيره عن عبد الله بن عمر قال : « لما نزلت هذه الآية قلنا : كيف نختصم ونحن إخوان ، فلما قتل عثمان وضرب بعضُنا وَجه بعض بالسيف قلنا : هذا الخصام الذي وعدنا ربنا » . وروى سعيد بن منصور عن أبي سعيد الخدْري مثل مقالة ابن عمر ولكن أبا سعيد قال : « فلما كان يوم صّفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا : نعم هو ذا » . وسواء شملت الآية هذه المحامل وهو الأليق ، أو لم تشملها فالمقصود الأصلي منها هو تخاصم أهل الإِيمان وأهل الشرك .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ} (31)

قوله تعالى : " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " يعني تخاصم الكافر والمؤمن والظالم والمظلوم . قاله ابن عباس وغيره . وفي خبر فيه طول : إن الخصومة تبلغ يوم القيامة إلى أن يحاج الروح الجسد . وقال الزبير : لما نزلت هذه الآية قلنا : يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟ قال : ( نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه ) فقال الزبير : والله إن الأمر لشديد . وقال ابن عمر : لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين : " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " فقلنا : وكيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد ، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف ، فعرفت أنها فينا نزلت . وقال أبو سعيد الخدري : ( كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد ونبينا واحد فما هذه الخصومة فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا نعم هو هذا ) . وقال إبراهيم النخعي : لما نزلت هذه الآية جعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : ما خصومتنا بيننا ؟ فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا : هذه خصومتنا بيننا . وقيل تخاصمهم هو تحاكمهم إلى الله تعالى ، فيستوفي من حسنات الظالم بقدر مظلمته ، ويردها في حسنات من وجبت له . وهذا عام في جميع المظالم كما في حديث أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أتدرون من المفلس ) قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع . قال : ( إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) خرجه مسلم . وقد مضى المعنى مجودا في " آل عمران " وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ) وفي الحديث المسند ( أول ما تقع الخصومات في الدنيا ) وقد ذكرنا هذا الباب كله في التذكرة مستوفى .