التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ} (49)

لما لم يجدوا مساغاً للتخفيف من العذاب في جانب كُبرائهم ، وتنصَّلَ كبراؤُهم من ذلك أو اعترفوا بغلطهم وتوريطهم قومَهم وأنفسَهم تمَالأَ الجميع على محاولة طلب تخفيف العذاب بدعوة من خَزَنة جهنم ، فلذلك أسند القول إلى الذين في النار ، أي جميعهم من الضعفاء والذين استكبروا .

وخَزَنة : جمع خَازن ، وهو الحافظ لما في المكان من مال أو عروض . و { خزنة جهنم } هم الملائكة الموكَّلون بما تحويه من النار ووَقودها والمعذبين فيها وموكلون بتسيير ما تحتوي عليه دار العذاب وأهلها ولذلك يقال لهم : خزنة النار ، لأن الخزن لا يتعلق بالنار بل بما يحويها فليس قوله هنا : { جهنم } إظهاراً في مقام الإِضمار إذ لا يحسن إضافة خزنة إلى النار ولو تقدم لفظ جهنم لقال : لخزنتها ، كما في قوله في سورة [ الملك : 6 8 ] { وللذين كفروا بربهم عذاب ( جهنم ) وبئس المصير } إلى قوله : { سألهم خزنتها } فإن الضمير ل { جهنم } لا ل { النار } .

وفي « الكشاف » أنه من الإِظهار في مقام الإِضمار للتهويل بلفظ { جهنم } ، والمسلك الذي سلكناه أوضح .

وفي إضافة ( رب ) إلى ضمير المخاطبين ضرب من الإِغراء بالدعاء ، أي لأنكم أقرب إلى استجابته لكم . ولما ظنُّوهم أرجى للاستجابة سألوا التخفيف يوماً من أزمنة العذاب وهو أنفع لهم من تخفيف قوة النار الذي سألوه من مستكبريهم .

وجزم { يخفف } بعد الأمر بالدعاء ، ولعله بتقدير لام الأمر لكثرة الاستعمال ، ومن أهل العربية من يجعله جزماً في جواب الطلب لتحقيق التسبب . فيكون فيه إيذان بأن الذين في النار واثقون بأن خزنة جهنم إذا دعوا الله استجاب لهم . وهذا الجزم شائع بعد الأمر بالقول وما في معناه لهذه النكتة وحقه الرفع أو إظهار لام الأمر . وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } في سورة [ إبراهيم : 31 ] .

( وضمّن { يخفف } معنى ينقص فنصب { يوماً ، } أو هو على تقدير مضاف ، أي عذاب يوم ، أي مقدار يوم ، وانتصب { يوماً } على المفعول به ل { يخفف } .

واليومُ كناية عن القلة ، أي يخفف عنا ولو زمناً قليلاً . و { مِنَ العَذَابِ } بيان ل { يوماً } لأنه أريد به المقدار فاحتاج إلى البيان على نحو التمييز . ويجوز تعلقه ب { يخفف } .

وجوَابُ خزنة جهنم لهم بطريق الاستفهام التقريري المراد به : إظهارُ سوء صنيعهم بأنفسهم إذ لم يتبعوا الرسل حتى وقعوا في هذا العذاب ، وتنديمُهم على ما أضاعوه في حياتهم الدنيا من وسائل النجاة من العقاب . وهو كلام جامع يتضمن التوبيخ ، والتنديم ، والتحسير ، وبيان سبب تجنب الدعاء لهم ، وتذكيرهم بأن الرسل كانت تحذرهم من الخلود في العذاب .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ} (49)

قوله تعالى : " وقال الذين في النار " من الأمم الكافرة . ومن العرب من يقول اللذون على أنه جمع مسلم معرب ، ومن قال : " الذين " في الرفع بناه كما كان في الواحد مبنيا . وقال الأخفش : ضمت النون إلى الذي فأشبه خمسة عشر فبني على الفتح . " لخزنة جهنم " خزنة جمع خازن ويقال : خزان وخزن . " ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب " " يخفف " جواب مجزوم وإن كان بالفاء كان منصوبا ، إلا أن الأكثر في كلام العرب في جواب الأمر وما أشبهه أن يكون بغير فاء وعلى هذا جاء القرآن بأفصح اللغات كما قال{[13383]} :

قِفَا نَبْكِ من ذِكْرَى حبيبٍ ومَنْزِلِ

قال محمد بن كعب القرظي : بلغني أو ذكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخزنة ، فقال الله تعالى : " وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب " فسألوا يوما واحدا يخفف عنهم فيه العذاب فردت عليهم :


[13383]:هو امرؤ القيس والبيت من معلقته، وتمامه: * بسقط اللوى بين الدخول فحومل*