استئناف أيضاً ، يتنزّل منزلة التّفريع عن الأوّل ، إلاّ أنَّه استؤنف للإشارة إلى أنّه غرض مستقلّ مُهِمّ في ذاته ، وإن كان متفرّعاً عن غيره ، وحاصل ما تضمّنه هو الإخلاص لله في العبادة ، وهو متفرّع عن التّوحيد ، ولذلك قيل : الرياءُ الشّرك الأصغر . عُلّم الرّسول صلى الله عليه وسلم أن يقوله عقب ما عُلّمه بما ذكر قبله لأنّ المذكور هنا يتضمّن معنى الشّكر لله على نعمة الهداية إلى الصّراط المستقيم ، فإنَّه هداه ثمّ ألهمه الشّكر على الهداية بأن يجعل جميع طاعته وعبادته لله تعالى . وأعيد الأمر بالقول لما علمتَ آنفاً .
وافتتحت جملة المقول بحرف التّوكيد للاهتمام بالخبر ولتحقيقه ، أو لأنّ المشركين كانوا يزعمون أنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام كان يُرائي بصلاته ، فقد قال بعض المشركين لمَّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي عند الكعبة : « ألاَ تنظرون إلى هذا المُرائي أيُّكم يقوم إلى جَزور بني فلان فيعمِد إلى فَرثها وسلاها فإذا سجد وضعه بين كتفيه » . فتكون ( إنّ ) على هذا لردّ الشكّ .
واللاّم في { لله } يجوز أن تكون للملك ، أي هي بتيسير الله فيكون بياناً لقوله : { إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } [ الأنعام : 161 ] . ويجوز أن تكون اللام للتعليل أي لأجل الله .
وجعل صلاته لله دون غيره تعريضاً بالمشركين إذ كانوا يسجدون للأصنام . ولذلك أردف بجملة { لا شريك له } .
والنّسك حقيقته العبادة ومنه يسمى العابد الناسك .
والمحْيَا والممات يستعملان مصدرين ميميين ، ويستعملان اسمي زمان ، من حيي ومات ، والمعنيَان محتمَلان فإذا كان المراد من المحيا والممات المعنى المصدري كان المعنى على حذف مضاف تقديره : أعمال المحيَا وأعمال الممات ، أي الأعمال التي من شأنها أن يتلبّس بها المرء مع حياته ، ومع وقت مماته . وإذا كان المراد منهما المعنى الزمني كان المعنى ما يعتريه في الحياة وبعد الممات .
ثمّ إنّ أعمال الحياة كثيرة وفيرة ، وأمّا الأعمال عند الموت فهي ما كان عليه في مدّة الحياة وثباتُه عليه ، لأنّ حالة الموت أو مدّته هي الحالة أو المدّة التي تنقلب فيها أحوال الجسم إلى صفة تؤذن بقرب انتهاء مدّة الحياة وتلك حالة الاحتضار ، وتلك الحالة قد تؤثّر انقلاباً في الفكر أو استعجالاً بما لم يكن يستعجل به الحي ، فربّما صدرت عن صاحبها أعمال لم يكن يصدرها في مدّة الصحّة ، اتّقاءً أو حياءً أو جلباً لنفع ، فيرى أنَّه قد يئس ممّا كان يُراعيه ، فيفعل ما لم يكن يفعل ، وأيضاً لتلك الحالة شؤون خاصّة تقع عندها في العادة مثل الوصيّة ، وهذه كلّها من أحوال آخر الحياة ، ولكنّها تضاف إلى الموت لوقوعها بقربه ، وبهذا يكون ذكر الممات مقصوداً منه استيعاب جميع مدّة الحياة حتّى زمن الإشراف على الموت .
ويجوز أن يكون المراد من الممات ما يحصل للرسول عليه الصّلاة والسّلام بعد وفاته من توجهاته الرّوحيّة نحو أمّته بالدّعاء لهم والتّسليم على من سلّم عليه منهم والظّهور لخاصّة أمَّته في المنام فإنّ للرّسول بعد مماته أحكام الحياة الرّوحيّة الكاملة كما ورد في الحديث : " إذا سلّم عليّ أحد من أمَّتي رَدّ الله عليّ روحِي فرددتُ عليه السّلام " وكذلك أعماله في الحشر من الشّفاعة العامّة والسّجود لله في عرصات القيامة فتلك أعمال خاصة به صلى الله عليه وسلم وهي كلّها لله تعالى لأنَّها لنفع عبيده أو لنفع أتباع دينه الذي ارتضاه لهم ، فيكون قوله : { ومماتي } هنا ناظراً إلى قوله في الحديث : " حياتي خير لكم ومماتي خير لكم " .
ويجوز أن يكون معنى مماته لله الشهادة في سبيل الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمّته اليهودية بخيبر في لحم شاة أطعموه إياه حصل بعض منه في إمعائه . ففي الحديث{[236]} " ما زالت أكلة خيبر تعتادني كل عام حتى كان هذا أوان قطع أبْهَري " {[237]} .
وبقوله : { ومحياي ومماتي لله رب العالمين } تحقّق معنى الإسلام الذي أصله الإلقاء بالنّفس إلى المُسْلَم له ، وهو المعنى الذي اقتضاه قوله : { فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } كما تقدّم في سورة آل عمران ( 20 ) ، وهو معنى الحنيفية الذي حكاه الله تعالى عن إبراهيم عليه السّلام في قوله : { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } كما في سورة البقرة ( 131 ) .
وقوله : { رب العالمين } صفة تشير إلى سبب استحقاقه أن يكون عمل مخلوقاته له لا لغيره ، لأنّ غيره ليس له عليهم نعمة الإيجاد ، كما أشار إليه قوله في أوّل السورة ( 1 ) : { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون . } وجملة : { لا شريك له } حال من اسم الجلالة مصرّحة بما أفاده جمع التّوكيد مع لام الملك من إفادة القصر . والمقصود من الصّفة والحال الردّ على المشركين بأنَّهم ما أخلصوا عملهم للذي خلقهم ، وبأنَّهم أشركوا معه غيره في الإلهيّة .
وقَرأ نافع : { ومحياي } بسكون الياء الثّانية إجراء للوصل مُجرى الوقف وهو نادر في النّثر ، والرّواية عن نافع أثبتته في هذه الآية ، ومعلوم أنّ الندرة لا تُناكد الفصاحة ولا يريبك ما ذكره ابن عطيّة عن أبي عليّ الفارسي : « أنَّها شاذّة عن القياس لأنَّها جمعت بين ساكنين لأنّ سكون الألف قبل حرف ساكن ليس ممّا يثقل في النّطق نحو عصاي ، ورؤياي ، ووجه إجراء الوصل مجرى الوقف هنا إرادة التّخفيف لأنّ توالي يائين مفتوحتين فيه ثقل ، والألف النّاشئة عن الفتحة الأولى لا تعدّ حاجزاً فعدل عن فتح الياء الثّانية إلى إسكانها » . وقرأه البقيّة بفتح الياء وروي ذلك عن وَرش ، وقال بعض أهل القراءة أنّ نافعاً رجع عن الإسكان إلى الفتح .
الثانية - قوله تعالى : " قل إن صلاتي ونسكي " قد تقدم اشتقاق لفظ الصلاة{[6959]} . قيل : المراد بها هنا صلاة الليل . وقيل : صلاة العيد . والنسك جمع نسيكة ، وهي الذبيحة ، وكذلك قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم . والمعنى : ذبحي في الحج والعمرة . وقال الحسن : نسكي ديني . وقال الزجاج : عبادتي ، ومنه الناسك الذي يتقرب إلى الله بالعبادة . وقال قوم : النسك في هذه الآية جميع أعمال البر{[6960]} والطاعات ، من قولك نسك فلان فهو ناسك ، إذا تعبد . " ومحياي " أي ما أعمله في حياتي " ومماتي " أي ما أوصي به بعد وفاتي " لله رب العالمين " أي أفرده بالتقرب بها إليه . وقيل : " ومحياي ومماتي لله " أي حياتي وموتي له . وقرأ الحسن : " نُسْكي " بإسكان السين . وأهل المدينة " ومحياي " بسكون الياء في الإدراج . والعامة بفتحها ؛ لأنه يجتمع ساكنان . قال النحاس : لم يجزه أحد من النحويين إلا يونس ، وإنما أجازه لأن قبله ألفا ، والألف المدة التي فيها تقوم مقام الحركة . وأجاز يونس اضربان زيدا ، وإنما منع النحويون هذا لأنه جمع بين ساكنين وليس في الثاني إدغام ، ومن قرأ بقراءة أهل المدينة وأراد أن يسلم من اللحن وقف على " محياي " فيكون غير لاحن عند جميع النحويين . وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وعاصم الجحدري " ومحيي " بتشديد الياء الثانية من غير ألف ، وهي لغة عليا مضر يقولون : قفي وعصي . وأنشد أهل اللغة :
سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم{[6961]}
الثالثة - قال الكيا الطبري : قوله تعالى : " قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم " إلى قوله : " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر ، فإن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل في كتابه ، ثم ذكر حديث علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال : " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - إلى قوله - وأنا من المسلمين ) .
قلت : روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال : ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين . اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك . تباركت وتعاليت . أستغفرك وأتوب إليك . الحديث . وأخرجه الدارقطني وقال في آخره : بلغنا عن النضر بن شميل وكان من العلماء باللغة وغيرها قال : معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والشر ليس إليك ) الشر ليس مما يتقرب به إليك . قال مالك : ليس التوجيه في الصلاة بواجب على الناس ، والواجب عليهم التكبير ثم القراءة . قال ابن القاسم : لم ير مالك هذا الذي يقوله الناس قبل القراءة : سبحانك اللهم وبحمدك . وفي مختصر ما ليس في المختصر : أن مالكا كان يقوله في خاصة نفسه ؛ لصحة الحديث به ، وكان لا يراه للناس مخافة أن يعتقدوا وجوبه . قال أبو الفرج الجوزي : وكنت أصلى وراء شيخنا أبي بكر الدينوري الفقيه في زمان الصبا ، فرآني مرة أفعل هذا فقال : يا بني ، إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام ، ولم يختلفوا أن الافتتاح سنة ، فاشتغل بالواجب ودع السنن . والحجة لمالك قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي علمه الصلاة : ( إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ) ولم يقل له سبح كما يقول أبو حنيفة ، ولا قل وجهت وجهي ، كما يقول الشافعي . وقال لأبي : ( كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ) ؟ قال : قلت الله أكبر ، الحمد لله رب العالمين . فلم يذكر توجيها ولا تسبيحا . فإن قيل : فإن عليا قد أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله . قلنا : يحتمل أن يكون قاله قبل التكبير ثم كبر ، وذلك حسن عندنا . فإن قيل : فقد روى النسائي والدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح{[6962]} الصلاة كبر ثم يقول : ( إن صلاتي ونسكي ) الحديث قلنا : هذا نحمله على النافلة في صلاة الليل ، كما جاء في كتاب النسائي عن أبي سعيد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح{[6963]} الصلاة بالليل قال : ( سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ) . أو في النافلة مطلقا ، فإن النافلة أخف من الفرض ؛ لأنه يجوز أن يصليها قائما وقاعدا وراكبا ، وإلى القبلة وغيرها في السفر ، فأمرها أيسر . وقد روى النسائي عن محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي تطوعا قال : ( الله أكبر . وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين . اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ) . ثم يقرأ . وهذا نص في التطوع لا في الواجب . وإن صح أن ذلك كان في الفريضة بعد التكبير ، فيحمل على الجواز والاستحباب ، وأما المسنون فالقراءة بعد التكبير ، والله بحقائق الأمور عليم . ثم إذا قال فلا يقل : " وأنا أول المسلمين " وهي :
الرابعة - إذ ليس أحدهم بأولهم إلا محمدا صلى الله عليه وسلم . فإن قيل : أو ليس إبراهيم والنبيون قبله ؟ قلنا عنه ثلاثة أجوبة : الأول : أنه أول الخلق أجمع معنىً ، كما في حديث أبي هريرة من قوله عليه السلام : ( نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة ) . وفي حديث حذيفة ( نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق ) . الثاني : أنه أولهم لكونه مقدما في الخلق عليهم . قال الله تعالى : " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح{[6964]} " [ الأحزاب : 7 ] . قال قتادة : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث ){[6965]} . فلذلك وقع ذكره هنا مقدما قبل نوح وغيره . الثالث : أول المسلمين من أهل ملته . قاله ابن العربي ، وهو قول قتادة وغيره . واختلفت الروايات في " أول " ففي بعضها ثبوتها وفي بعضها لا ، على ما ذكرنا . وروى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك في أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه ثم قولي : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) . قال عمران : يا رسول الله ، هذا لك ولأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامة ؟ قال : ( بل للمسلمين عامة ) .