اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (162)

لمَّا عرّفه الدِّين المُستقِيم ، عرَّفه كيف يقُوم به ويؤدِّيه ، وهذ الآية الكريمة تدلُ على أنَّه - عليه الصَّلاة والسَّلام - مؤدِّي العِبَادة مع الإخْلاص ، وأكده بقوله -تبارك وتعالى- : { لاَ شَرِيكَ لَه } وهذا من أقْوَى الدَّلائل على أنَّ شَرْط صحة الصَّلاة : أن يُؤتَى بها مَقْرُونةً بالإخْلاصِ .

واخْتَلَفُوا في المُرَاد بالنُّسُك :

فقيل : المُرَاد به : الذَّبِيحَة بعينها ، وجمع بين الصَّلاة وبين النَّحر ؛ كما في قوله-تبارك وتعالى- : { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر } [ الكوثر : 2 ] ، فقيل : المراد بالصلاة هاهنا صلاة النَّحْر ، وقيل : صلاةُ اللَّيْل{[15677]} .

وروى ثَعْلَب عن ابن الأعْرَابيِّ{[15678]} أنه قال : النُّسُك : سَبَائِك الفِضَّة ، كل نَسِيكة منها سَبيكة ، وقيل للمُتعَبِّد : نَاسِكٌ ، لأنه خلَّص نفسه من دنَائِس الآثَم وصفَّاها ، كالسَّبيكة المُخَلَّصَة من الخَبَث ، وعلى هذا التَّأويل فالنُّسُك : كل ما يُتَقرَّبُ به إلى اللَّه -تبارك وتعالى- ، إلاَّ أن الغَالِب عليه في العُرْف : الذَّبْح .

قوله : { وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّه } .

قرأ نافع{[15679]} : " ومَحْيايْ " بسكون ياء المُتكلِّم ، وفيها الجَمع بين سَاكِنَيْن .

قال الفارسي : كقوله : " التَقَتْ حَلْقَتَا البطَانِ " و " لِفُلانٍ ثُلُثَا المَالِ " بثبوت الألفين .

وقد طَعَن بَعْضُ النَّاس على هذه القراءة بما ذَكَرْت من الجَمْع بَيْن السَّاكِنين ، وتعجَّبت من كَوْن هذا القَارئ يُحَرك ياء " مُمَاتِيَ " ويُسَكِّن ياء " مَحْيَايْ " وقد نقل بَعضُهُم عن نافع الرُّجوع عن ذلك .

قال أبُو شامة- رحمه الله عليه - : " فَيَنْبَغِي ألاَّ يَحِلَّ نَقْلُ تسْكِين ياء " مَحْيَايَ " عنه " .

وقرأ{[15680]} نافع في رواية : " مَحْيَاي " بكسر الياءِ ، وهي تشبه قراءة حَمْزَة في { بِمُصْرِخِيَّ } [ إبراهيم : 22 ] ، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - .

وقرا ابنُ أبي إسحاق{[15681]} ، وعيسى الجَحْدَرِيُّ : " ومَحْيَيَّ " بإبْدال " الألف " " ياء " ، وإدغَامِها في ياء المُتَكلِّم ، وهي لُغة هُذَيْل ، أنشد عليها قول أبي ذُؤيْب : [ الكامل ]

سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَوَاهُمُ *** فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرعُ{[15682]}

اعلم : أن المَحيْا والممَاتِ للَّه لَيْس بمعنى أنَّهُما يُؤتَى بِهِمَا لطاعة الله - عزَّ وجلَّ - ، فإن ذلك مُحَال ، بَلْ معنى كوْنِهِما للَّه أنَّهُمَا حَاصِلان بِخَلْقِ اللَّه ، وذلك مِنْ أدلِّ الدِّلائل على أنَّ طاعة العَبْد مَخْلُوقة منه – تعالى -{[15683]} .

وقال بَعْضُ المفسِّرين{[15684]} : " مَحْيَايَ : بالعمل الصالح ، ومَمَاتِي : إذا مِتُّ على الإيمان من رب العَالمِين " .

واعلم : أنَّه -تبارك وتعالى- أمرَ رسُوله صلى الله عليه وسلم بأن يُبَيِّن أنَّ صلاته ، وسَائر عِباداتِه ، وحياته ، ومَمَاتِه كُلِّها واقعةٌ بخلق اللَّه-تبارك وتعالى- وبقدره ، وقضَائه ، وحُكْمِه .

وقال القُرْطُبِيُّ{[15685]} - رحمه الله عليه - : قوله : " ومَحْيَايَ " أي : ما أعْمَله في حَيَاتِي ، و " مَمَاتِي " أي : ما اوصِي به بَعْد وَفَاتِي " لِلَّهِ ربِّ العَالمِين " أي : أُفْرِدُهُ بالتَّقَرُّب بها إليه .


[15677]:ينظر: الفخر الرازي 14/10.
[15678]:ينظر: المصدر السابق.
[15679]:ينظر: السبعة 274 النشر 2/267 الحجة لأبي زرعة 279 الكشف 1/459 الدر المصون 3/227. الوسيط 2/344.
[15680]:ينظر: البحر المحيط 4/262، الدر المصون 3/227، المحرر الوجيز 2/369.
[15681]:ينظر: البحر المحيط 4/262، الدر المصون 3/227، المحرر الوجيز 2/369.
[15682]:تقدم.
[15683]:ينظر: الفخر الرازي 14/11.
[15684]:ينظر: المصدر السابق.
[15685]:ينظر: القرطبي 7/99.