التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{كَذَّبَتۡ ثَمُودُ وَعَادُۢ بِٱلۡقَارِعَةِ} (4)

إن جعلتَ قوله : { ومَا أدراك ما الحاقّة } [ الحاقة : 3 ] نهايةَ كلام فموقع قوله : { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } وما اتصل به استئناف ، وهو تذكير بما حل بثمود وعاد لتكذيبهم بالبعث والجزاء تعريضاً بالمشركين من أهل مكة بتهديدهم أن يحق عليهم مثل ما حل بثمود وعاد فإنهم سواء في التكذيب بالبعث وعلى هذا يكون قوله { الحاقّة } [ الحاقة : 1 ] الخ توطئة له وتمهيداً لهذه الموعظة العظيمة استرهاباً لنفوس السامعين .

وإن جعلتَ الكلام متصلاً بجملة { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } وعيّنت لفظ { الحاقّة } [ الحاقة : 1 ] ليوم القيامة وكانت هذه الجملة خبراً ثالثاً عن { الحاقّة } [ الحاقة : 1 ] .

والمعنى : الحاقة كذبت بها ثمود وعاد ، فكان مقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير { الحاقّة } [ الحاقة : 1 ] فيقال : كذبت ثمودُ وعادٌ بها ، فعدل إلى إظهار اسم ( القارعة ) لأن ( القارعة ) مرادفةالحاقة في أحد محملي لفظ { الحاقة } [ الحاقة : 1 ] ، وهذا كالبيان للتهويل الذي في قوله : { وما أدراك ما الحاقّة } [ الحاقة : 3 ] .

و ( القارعة ) مراد منها ما أريد ب { الحاقّة } [ الحاقة : 1 ] .

وابتدىء بثمود وعاد في الذكر من بين الأمم المكذبة لأنهما أكثر الأمم المكذبة شهرة عند المشركين من أهل مكة لأنهما من الأمم العربية ولأن ديارهما مجاورة شمالاً وجنوباً .

والقارعة : اسم فاعل من قرعه ، إذا ضربه ضرباً قوياً ، يقال : قرع البعير . وقالوا : العبد يقرع بالعصا ، وسميت المواعظ التي تنكسر لها النفس قوارعَ لما فيها من زجر الناس عن أعمال . وفي المقامة الأولى « ويقْرَع الأسماعَ بزواجر وعِظه » ، ويقال للتوبيخ تقريع ، وفي المثل « لا تُقرع له العصا ولا يُقلقل له الحصا » ، ومورده في عامر بن الظرب العَدواني في قصة أشار إليها المتلمس في بيت .

ف ( القارعة ) هنا صفة لموصوف محذوف يقدر لفظه مؤنثاً ليوافق وصفَه المذكور نحو الساعة أو القيامة . القارعةِ : أي التي تصيب الناس بالأهوال والأفزاع ، أو التي تصيب الموجودات بالقَرع مثل دك الجبال ، وخسف الأرض ، وطَمس النجوم ، وكسوف الشمس كسوفاً لا انجلاء له ، فشبه ذلك بالقرع .

ووصف { الساعة } [ الأعراف : 187 ] أو { القيامة } [ البقرة : 85 ] بذلك مجاز عقلي من إسناد الوصف إلى غير ما هو له بتأوُّللٍ لملابسته ما هو له إذ هي زمان القرع قال تعالى : { القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } [ القارعة : 14 ] . وهي ما سيأتي بيانها في قوله : { فإذا نفخ في الصور نفخةٌ واحدة } الآيات [ الحاقة : 13 ] .

وجيء في الخبر عن هاتين الأمتين بطريقة اللف والنشر لأنهما اجتمعتا في موجب العقوبة ثم فصل ذكر عذابهما .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كَذَّبَتۡ ثَمُودُ وَعَادُۢ بِٱلۡقَارِعَةِ} (4)

ذكر من كذب بالقيامة . والقارعة القيامة ، سميت بذلك لأنها تقرع الناس بأهوالها . يقال : أصابتهم قوارع الدهر ، أي أهواله وشدائده . ونعوذ بالله من قوارع فلان ولواذعه وقوارص لسانه ، جمع قارصة وهي الكلمة المؤذية . وقوارع القرآن : الآيات التي يقرؤها الإنسان إذا فزع من الجن أو الإنس ، نحو آية الكرسي ، كأنها تقرع الشيطان . وقيل : القارعة مأخوذة من القرعة في رفع قوم وحط آخرين ، قاله المبرد . وقيل : عنى بالقارعة العذاب الذي نزل بهم في الدنيا ، وكان نبيهم يخوفهم بذلك فيكذبونه . وثمود قوم صالح ، وكانت منازلهم بالحجر فيما بين الشام والحجاز . قال محمد بن إسحاق : وهو وادي القرى ، وكانوا عربا . وأما عاد فقوم هود ، وكانت منازلهم بالأحقاف . والأحقاف : الرمل بين عمان إلى حضر موت واليمن كله ، وكانوا عربا ذوي خلق وبسطة ، ذكره محمد بن إسحاق . وقد تقدم{[15284]} .


[15284]:راجع جـ 7 ص 236.