التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ} (51)

عطف على جملة { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث } [ القلم : 44 ] ، عرَّف الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعض ما تنطوي عليه نفوس المشركين نحو النبي صلى الله عليه وسلم من الحقد والغيظ وإضمار الشر عندما يسمعون القرآن .

والزلَق : بفتحتين زَلل الرجل من مَلاَسَةِ الأرض من طين عليها أو دهن ، وتقدم في قوله تعالى : { فتُصْبِحَ صعيداً زلَقاً } في سورة الكهف ( 40 ) .

ولما كان الزلق يفضي إلى السقوط غالباً أطلق الزلق وما يشتق منه على السقوط والاندحاض على وجه الكناية ، ومنه قوله هنا ليَزْلقونك ، } أي يسقطونك ويصرعونك .

وعن مجاهد : أيْ ينفذونك بنظرهم . وقال القرطبي : يقال زلق السهم وزهق ، إذا نفذ ، ولم أراه لغيره ، قال الراغب قال يونس : لم يسمع الزلق والإِزلاق إلاّ في القرآن اه .

قلت : وعلى جميع الوجوه فقد جعل الإِزلاق بأبصارهم على وجه الاستعارة المكنية ، شبهت الأبصار بالسهام ورمز إلى المشبه به بما هو من روادفه وهو فعل ( يزلقونك ) وهذا مثل قوله تعالى : { إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا } [ آل عمران : 155 ] .

وقرأ نافع وأبو جعفر ( يزلقونك ) بفتح المثناة مضارع زلَق بفتح اللام يزلق متعدياً ، إذا نحاه عن مكانه .

وجاء { يكاد } بصيغة المضارع للدلالة على استمرار ذلك في المستقبل ، وجاء فعل { سمعوا } ماضياً لوقوعه مع { لَمَّا } وللإِشارة إلى أنه قد حصل منهم ذلك وليس مجرد فرض .

واللام في { ليزلقونك } لام الابتداء التي تدخل كثيراً في خبر { إن } المكسورة وهي أيضاً تفرق بين { إنْ } المخففة وبين ( إنّ ) النافية .

وضمير { إنه لمجنون } عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حكاية لكلامهم بينهم ، فمعاد الضمير كائن في كلام بعضهم ، أو ليسَ للضمير معاد في كلامهم لأنه منصرف إلى من يتحدثون عنه في غالب مجالسهم .

والمعنى : يقولون ذلك اعتلالاً لأنفسهم إذ لم يجدوا في الذكر الذي يسمعونه مدخلاً للطعن فيه فانصرفوا إلى الطعن في صاحبه صلى الله عليه وسلم بأنه مجنون لينتقلوا من ذلك إلى أن الكلام الجاري على لسانه لا يوثق به ليصرفوا دهماءهم عن سماعه ، فلذلك أبطل الله قولهم : { إنه لمجنون } بقوله : { وما هو إلاّ ذكر للعالمين ، } أي ما القرآن إلاّ ذكر للناس كلهم وليس بكلام المجانين ، وينتقل من ذلك إلى أن الناطق به ليس من المجانين في شيء .

والذكر : التذكير بالله والجزاء هو أشرف أنواع الكلام لأن فيه صلاح الناس .

فضمير { هو } عائد إلى غير مذكور بل إلى معلوم من المقام ، وقرينةُ السياق تُرجع كلَّ ضمير من ضميري الغيبة إلى معاده ، كقول عباس بن مرداس :

عُدْنا ولولا نحن أحدقَ جمعُهم *** بالمسلمين وأحرَزوا ما جمَّعوا

أي لأحْرز الكفار ما جمَّعه المسلمون .

وفي قوله : { ويقولون إنه لمجنون } مع قوله في أول السورة { ما أنت بنعمة ربّك بمجنون } [ القلم : 2 ] محسن ردّ العجز على الصدر .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ} (51)

قوله تعالى : " وإن يكاد الذين كفروا " " " إن " هي المخففة من الثقيلة . " ليزلقونك " أي يعتانونك . " بأبصارهم " أخبر بشدة عداوتهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأرادوا أن يصيبوه بالعين فنظر إليه قوم من قريش وقالوا : ما رأينا مثله ولا مثل حججه . وقيل : كانت العين في بني أسد ، حتى إن البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ، ثم يقول : يا جارية ، خذي المكتل{[15281]} والدرهم فأتينا بلحم هذه الناقة ، فما تبرح حتى تقع للموت فتنحر . وقال الكلبي : كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئا يومين أو ثلاثة ، ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل أو الغنم فيقول : لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه فما تذهب إلا قليلا حتى تسقط منها طائفة هالكة . فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعين فأجابهم ، فلما مر النبي صلى الله عليه ويلم أنشد :

قد كان قومك يحسبونك سَيِّدَا *** وإِخَالُ أنك سيد مَعْيُونُ

فعصم الله نبيه صلي الله عليه وسلم ونزلت : " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك " . وذكر نحوه الماوردي . وأن العرب كانت إذا أراد أحدهم أن يصيب أحدا - يعني في نفسه وماله - تجوّع ثلاثة أيام ، ثم يتعرض لنفسه وماله فيقول : تالله ما رأيت أقوى منه ولا أشجع ولا أكثر منه ولا أحسن ، فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . قال القشيري : وفي هذا نظر ؛ لأن الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستحسان والإعجاب لا مع الكراهية والبغض ؛ ولهذا قال : " ويقولون إنه لمجنون " أي ينسبونك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن .

قلت : أقوال المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا ، وأن مرادهم بالنظر إليه قتله . ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك . وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش وأبو وائل ومجاهد " ليزهقونك " أي ليهلكونك . وهذه قراءة على التفسير ، من زهقت نفسه وأزهقها . وقرأ أهل المدينة " ليزلقونك " بفتح الياء . وضمها الباقون ، وهما لغتان بمعنى ، يقال : زلَقَه يَزْلِقه وأزلقه يُزْلِقه إزلاقا إذا نحاه وأبعده . وزلق رأسه يَزْلِقه زلقا إذا حلقه . وكذلك أزلقه وزلقه تزليقا . ورجل زَلِق وزُمَلِق - مثال هُدَبِد - وزُمَالِق وزُمّلق - بتشديد الميم - وهو الذي ينزل قبل أن يجامع ، حكاه الجوهري وغيره . فمعنى الكلمة إذاً التنحية والإزالة ، وذلك لا يكون في حق النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهلاكه وموته . قال الهروي : أراد ليعتانونك بعيونهم فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك . وقال ابن عباس : ينفذونك بأبصارهم ، يقال : زلق السهم وزهق إذا نفذ ، وهو قول مجاهد . أي ينفذونك من شدة نظرهم . وقال الكلبي : يصرعونك . وعنه أيضا والسدي وسعيد بن جبير : يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة . وقال العوفي : يرمونك . وقال المؤرج : يزيلونك . وقال النضر بن شميل والأخفش : يفتنونك . وقال عبدالعزيز بن يحيى : ينظرون إليك نظرا شَزْرا بتحديق شديد . وقال ابن زيد : ليمسونك . وقال جعفر الصادق : ليأكلونك . وقال الحسن وابن كيسان : ليقتلونك . وهذا كما يقال : صرعني بطرفه ، وقتلني بعينه . قال الشاعر :

ترميك مَزْلَقَة العيون بطرفها *** وتَكِلّ عنك نصالُ نَبْلِ الرامي

وقال آخر :

يتقَارضون إذا التقوا في مجلس *** نَظَرًا يُزِلّ{[15282]} مواطئَ الأقدام

وقيل : المعنى أنهم ينظرون إليك بالعداوة حتى كادوا يسقطونك . وهذا كله راجع إلى ما ذكرنا ، وأن المعنى الجامع : يصيبونك بالعين . والله أعلم .


[15281]:المكتل: زنبيل يعمل من الخوص يحمل فيه التمر وغيره.
[15282]:في اللسان "يزيل" وكلاهما صحيح.