التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا} (22)

وجملتا { قل إني لن يجيرني } إلى { ملتحداً } معترضتان بين المستثنى منه والمستثنى ، وهو اعتراضُ ردَ لما يحاولونه منه أن يترك ما يؤذيهم فلا يذكر القرآنُ إبطال معتقدهم وتحقير أصنامهم ، قال تعالى : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائتِ بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن اتبع إلاّ ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } [ يونس : 15 ] .

والملتحد : اسم مكان الالتحاد ، والالتحاد : المبالغة في اللحد ، وهو العدول إلى مكان غير الذي هو فيه ، والأكثر أن يطلق ذلك على اللجأ ، أي العياذ بمكان يعصمه . والمعنى : لَن أجد مكاناً يعصمني .

و { من دونه } حال من { ملتحداً } ، أي ملتحداً كائناً من دون الله أي بعيداً عن الله غير داخل من ملكوته ، فإن الملتحد مكان فلما وصف بأنه من دون الله كان المعنى أنه مكان من غير الأمكنة التي في ملك الله ، وذلك متعذر ، ولهذا جاء لنفي وجدانه حرف { لن } الدال على تأييد النفي .

و { مِن } في قوله : { مِن دونه } مزيدة جارة للظرف وهو ( دون ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا} (22)

قوله تعالى : " قل إني لن يجيرني من الله أحد " أي لا يدفع عذابه عني أحد إن استحفظته ، وهذا لأنهم قالوا اترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك . وروى أبو الجوزاء عن ابن مسعود قال : انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن حتى أتى الحجون فخط علي خطا ، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه ، فقال سيد لهم يقال له وردان : أنا أزجلهم{[15485]} عنك ، فقال : ( إني لن يجيرني من الله أحد ) ذكره الماوردي . قال : ويحتمل معنيين أحدهما لن يجيرني مع إجارة الله لي أحد . الثاني لن يجيرني مما قدره الله تعالى علي أحد . " ولن أجد من دونه ملتحدا " أي ملتجأ ألجأ إليه ؛ قال قتادة . وعنه : نصيرا ومولى . السدي : حرزا . الكلبي : مدخلا في الأرض مثل السرب . وقيل : وليا ولا مولى . وقيل : مذهبا ولا مسلكا . حكاه ابن شجرة ، والمعنى واحد ، ومنه قول الشاعر :

يا لهْفَ نفسي ولَهْفِي غير مُجْدِيةٍ *** عَنِّي وما من قضاء الله مُلْتَحَدِ


[15485]:أزجلهم: أي أدفعهم. وفي ز، ط، ل: أزحلهم بالحاء، أي أنحيهم.