التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ} (16)

عطف على جملة { فلما ذهبوا به } [ سورة يوسف : 15 ] عطف جزء القصة .

والعشاء : وقت غيبوبة الشفق الباقي من بقايا شعاع الشمس بعد غروبها .

والبكاء : خروج الدموع من العينين عند الحزن والأسف والقهر . وتقدم في قوله تعالى : { فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً } [ سورة التوبة : 82 ] . وقد أطلق هنا على البكاء المصطنع وهو التباكي . وإنما اصطنعوا البكاء تمويهاً على أبيهم لئلا يظن بهم أنهم اغتالوا يوسف عليه السّلام ، ولعلّهم كانت لهم مقدرة على البكاء مع عدم وجدان موجبه ، وفي الناس عجائب من التمويه والكيد . ومن الناس من تتأثر أعصابهم بتخيل الشيء ومحاكاته فيعتريهم ما يعتري الناس بالحقيقة .

وبعض المتظلمين بالباطل يفعلون ذلك ، وفطنة الحاكم لا تنخدع لمثل هذه الحيل ولا تنوط بها حكماً ، وإنما يناط الحكم بالبينة .

جاءت امرأة إلى شريح تخاصم في شيء وكانت مبطلة فجعلت تبكي ، وأظهر شريح عدم الاطمئنان لدعواها ، فقيل له : أما تراها تبكي ؟ فقال : قد جاء إخوة يوسف عليه السّلام أباهم عشاء يبكون وهم ظلَمة كَذبَة ، لا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بالحق . قال ابن العربي : قال علماؤنا : هذا يدلّ على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله لاحتمال أن يكون تصنّعاً . ومن الخلق من لا يقدر على ذلك ومنهم من يقدر .

قلت : ومن الأمثال دموع الفاجر بيديه وهذه عبرة في هذه العبرة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ} (16)

وندع يوسف في محنته في غيابة الجب ، يؤنسه ولا شك ما ألقى الله في روعه ويطمئنه ، حتى يأذن الله بالفرج . ندعه لنشهد إخوته بعد الجريمة يواجهون الوالد المفجوع :

( وجاءوا أباهم عشاء يبكون ) ،

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ} (16)

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " وجاؤوا أباهم عشاء " أي ليلا ، وهو ظرف يكون في موضع الحال ، وإنما جاؤوا عشاء ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة ، ولذا قيل : لا تطلب الحاجة بالليل ، فإن الحياء في العينين ، ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار ، فروي أن يعقوب عليه السلام لما سمع بكاءهم قال : ما بكم ؟ أجرى في الغنم شيء ؟ قالوا : لا . قال : فأين يوسف ؟ قالوا : ذهبنا نستبق فأكله الذئب ، فبكى وصاح وقال : أين قميصه ؟ على ما يأتي بيانه إن شاء الله{[8987]} . وقال السدي وابن حبان : إنه لما قالوا أكله الذئب خر مغشيا عليه ، فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك ، ونادوه فلم يجب ، قال وهب : ولقد وضع يهوذا يده على مخارج نفس يعقوب فلم يحس بنفس ، ولم يتحرك له عرق ، فقال لهم يهوذا : ويل لنا من ديان يوم الدين ضيعنا أخانا ، وقتلنا أبانا ، فلم يفق يعقوب إلا ببرد السحر ، فأفاق ورأسه في حجر روبيل ، فقال : يا روبيل ألم آتمنك على ولدي ؟ ألم أعهد إليك عهدا ؟ فقال : يا أبت كف عني بكاءك أخبرك ، فكف يعقوب بكاءه فقال : يا أبت " إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب " .

الثانية : قال علماؤنا : هذه الآية دليل على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله ، لاحتمال أن يكون تصنعا ، فمن الخلق من يقدر على ذلك ، ومنهم من لا يقدر . وقد قيل : إن الدمع المصنوع لا يخفى ، كما قال حكيم :

إذا اشتبكت دموعٌ في خدود *** تبين من بَكَى ممن تَبَاكَى


[8987]:من ع.