التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ} (8)

و ( أنْ ) في قوله : { ألا تطغوا } يجوز أن تكون تفسيرية لأن فعل وضع الميزان فيه معنى أمر الناس بالعدل . وفي الأمر معنى القول دون حروفه فهو حقيق بأن يأتي تفسيرُه بحرف ( أنْ ) التفسيرية .

فكان النهي عن إضاعة العدل في أكثر المعاملات تفسيراً لذلك . فتكون ( لا ) ناهية .

ويجوز أن تكون ( أنْ ) مصدرية بتقدير لاَم الجر محذوفة قبلَها . والتقدير : لئلا تَطْغَوْا في الميزان ، وعلى كلا الاحتمالين يراد بالميزان ما يشمل العدل ويشمل ما به تقدير الأشياء الموزونة ونحوها في البيع والشراء ، أي من فوائد تنزيل الأمر بالعدل أن تجتنبوا الطغيان في إقامة الوزن في المعاملة . وتكون ( لا ) نافية ، وفعْل { تطغوا } منصوباً ب ( أن ) المصدرية .

ولفظ { الميزان } يسمح بإرادة المعنيين على طريقة استعمال المشترك في معنييه . وفي لفظ الميزان وما قارنه من فعل { وضع } وفعلي { لا تَطْغَوْا } و { أقيموا } وحرف الباء في قوله : { بالقسط } وحرف { في } من قوله : { في الميزان } ولفظ { القسط } ، كل هذه تظاهرت على إفادة هذه المعاني وهذا من إعجاز القرآن .

والطغيان : دحض الحق عمداً واحتقاراً لأصحابه ، فمعنى الطغيان في العدل الاستخفاف بإضاعته وضعف الوازع عن الظلم . ومعنى الطغيان في وزن المقدرات تطفيفه .

و { في } من قوله : { في الميزان } ظرفية مجازية تفيد النهي عن أقل طغيان على الميزان ، أي ليس النهي عن إضاعة الميزان كله بل النهي عن كل طغيان يتعلق به على نحو الظرفية في قوله تعالى : { وارزقوهم فيها واكسوهم } [ النساء : 5 ] ، أي ارزقوهم من بعضها وقول سَبرة بننِ عَمْرو الفقعسي :

سَبرةَ بنِ عَمْرو الفقعسي *** ونَشرب في أثمانها ونُقامر

إذْ أراد أنهم يشربون الخمر ببعض أثمان إبلهم ويقامرون ، أي أن لهم فيها منافع أخرى وهي العطاء والأكل منها لقوله في صدر البيت :

نُحابي بها أكفاءنا ونُهينُها

وقوله تعالى : { وأقيموا الوزن بالقسط } عطف على جملة { ألا تطغوا في الميزان } على احتمال كون المعطوف عليها تفسيرية . وعلى جملة { ووضع الميزان } على احتمال كون المعطوف عليها تعليلاً .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ} (8)

وضع الميزان . . ( ألا تطغوا في الميزان ) . . فتغالوا وتفرطوا . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ} (8)

" ألا تطغوا في الميزان " موضع " أن " يجوز أن يكون نصبا على تقدير حذف حرف الجر كأنه قال : لئلا تطغوا ، كقوله تعالى : " يبين الله لكم أن تضلوا{[14510]} " [ النساء : 176 ] . ويجوز ألا يكون ل " أن " موضع من الإعراب فتكون بمعنى أي و " تطغوا " على هذا التقدير مجزوما ، كقوله تعالى : " وانطلق الملأ منهم أن امشوا{[14511]} " [ ص : 6 ] أي امشوا{[14512]} . والطغيان مجاوزة الحد . فمن قال : الميزان العدل قال طغيانه الجور . ومن قال : إنه الميزان الذي يوزن به قال طغيانه البخس . قال ابن عباس : أي لا تخونوا من وزنتم له . وعنه أنه قال : يا معشر الموالي ! وليتم أمرين بهما هلك الناس : المكيال والميزان . ومن قال إنه الحكم قال : طغيانه التحريف . وقيل : فيه إضمار ، أي وضع الميزان وأمركم ألا تطغوا فيه .


[14510]:راجع جـ 6 ص 29.
[14511]:راجع جـ 15 ص 151.
[14512]:الزيادة من ب، ح، س، هـ.