التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّـٰرِعُونَ} (64)

فإن فعل ( زرع ) يطلق بمعنى : أنبت ، قال الراغب : الزرع : الإِنبات ، لقوله تعالى : { أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } فنفى عنهم الزرع ونسبه إلى نفسه اه واقتصر عليه ، ويطلق فعل ( زرع ) بمعنى : بذر الحب في الأرض لقول صاحب « لسان العرب » : زرعَ الحب : بذره ، أي ومنه سمي الحب الذي يبذر في الأرض زريعة لكن لا ينبغي حمل الآية على هذا الإطلاق . فالمعنى : أفرأيتم الذي تحرثون الأرض لأجله ، وهو النبات ما أنتم تنبتونه بل نحن ننبته .

وجملة { أأنتم تزرعونه } الخ بيان لجملة { أفرأيتم ما تحرثون } كما تقدم في { أأنتم تخلقونه } [ الواقعة : 59 ] والاستفهام في { أأنتم تزرعونه } إنكاري كالذي في قوله : { أأنتم تخلقونه .

والقول في موقع { أم } من قوله : { أم نحن الزارعون } كالقول في موقع نظيرتها من قوله : { أم نحن الخالقون } [ الواقعة : 59 ] أي أن ( أم ) منقطعة للإضراب .

وكذلك القول في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : { أأنتم تزرعونه } مثل ما في قوله : { أأنتم تخلقونه } [ الواقعة : 59 ] .

وكذلك القول في نفي الزرع عنهم وإثباته لله تعالى يفيد معنى قصر الزَّرع ، أي الإِنبات على الله تعالى ، أي دونهم ، وهو قصر مبالغة لعدم الاعتداد بزرع الناس .

ويؤخذ من الآية إيماء لتمثيل خلق الأجسام خلقاً ثانياً مع الانتساب بين الأجسام البالية والأجسام المجددة منها بنبات الزرع من الحبة التي هي منتسبة إلى سنبلة زرع أخذت هي منها فتأتي هي بسنبلة مثلها .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّـٰرِعُونَ} (64)

57

ومرة أخرى في بساطة ويسر يأخذ بقلوبهم إلى أمر مألوف لهم ، مكرر في مشاهداتهم ، ليريهم يد الله فيه ؛ ويطلعهم على المعجزة التي تقع بين أيديهم ، وعلى مرأى من عيونهم ، وهم عنها غافلون :

( أفرأيتم ما تحرثون ? أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ? لو نشاء لجعلناه حطاما ، فظلتم تفكهون : إنا لمغرمون . بل نحن محرومون ) . .

هذا الزرع الذي ينبت بين أيديهم وينمو ويؤتي ثماره . ما دورهم فيه ? إنهم يحرثون ويلقون الحب والبذور التي صنعها الله . ثم ينتهي دورهم وتأخذ يد القدرة في عملها المعجز الخارق العجيب .

تأخذ الحبة أو البذرة طريقها لإعادة نوعها . تبدؤه وتسير فيه سيرة العاقل العارف الخبير بمراحل الطريق !

الذي لا يخطئ مرة كما يخطئ الإنسان في عمله ، ولا ينحرف عن طريقه ، ولا يضل الهدف المرسوم ! إن يد القدرة هي التي تتولى خطاها على طول الطريق . . في الرحلة العجيبة . الرحلة التي ما كان العقل ليصدقها ، وما كان الخيال ليتصورها ، لولا أنها حدثت وتحدث ويراها كل إنسان في صورة من الصور ، ونوع من الأنواع . . وإلا فأي عقل كان يصدق ، وأي خيال كان يتصور أن حبة القمح مثلا يكمن فيها هذا العود وهذا الورق ، وهذه السنبلة ، وهذا الحب الكثير ? ! أو أن النواة تكمن فيها نخلة كاملة سامقة بكل ما تحتويه ? !

أي عقل كان يمكن أن يتطاول به الخيال إلى تصور هذه العجيبة . لولا أنه يراها تقع بين يديه صباح مساء ? ولولا أن هذه القصة تتكرر على مرأى ومسمع من جميع الناس ? وأي إنسان يمكنه أن يدعي أنه صنع شيئا في هذه العجيبة سوى الحرث وإلقاء البذور التي صنعها الله ?

ثم يقول الناس : زرعنا ! ! وهم لم يتجاوزوا الحرث وإلقاء البذور . أما القصة العجيبة التي تمثلها كل حبة وكل بذرة . وأما الخارقة التي تنبت من قلبها وتنمو وترتفع فكلها من صنع الخالق الزارع .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّـٰرِعُونَ} (64)

ومعنى " أأنتم تزرعونه " أي تجعلونه زرعا{[14661]} . وقد يقال : فلان زراع كما يقال حراث ، أي يفعل ما يؤول إلى أن يكون زرعا يعجب الزراع . وقد يطلق لفظ الزرع على بذر الأرض وتكريبُها تجوزا .

قلت : فهو نهي إرشاد [ وأدب ]{[14662]} لا نهي حظر وإيجاب ، ومنه قوله عليه السلام : ( لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي وليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي ) وقد مضى في " يوسف{[14663]} " القول فيه . وقد بالغ بعض العلماء فقال : لا يقل حرثت فأصبت ، بل يقل : أعانني الله فحرثت ، وأعطاني بفضله ما أصبت . قال الماوردي : وتتضمن هذه الآية أمرين ، أحدهما : الامتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم . الثاني : البرهان الموجب للاعتبار ؛ لأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذره ، وانتقال إلى استواء حال من العفن والتتريب حتى صار زرعا أخضر ، ثم جعله قويا مشتدا أضعاف ما كان عليه ، فهو بإعادة من أمات أخف عليه وأقدر ، وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفطر السليمة .


[14661]:زيادة يقتضيها السياق.
[14662]:الزيادة: من ب، ز، ح، س، ل، هـ.
[14663]:راجع جـ 9 ص 194.