التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ} (73)

الجملة بدل اشتمال من جملة { أم نحن المنشئون } [ الواقعة : 72 ] ، أي أنَّ إنشاء النار كان لفوائد وحِكماً منها أن تكون تذكرة للناس يذكرون بها نار جهنم ويوازنون بين إحراقها وإحراق جهنم التي يعلمون أنها أشد من نارهم .

والمتاع : ما يُتمتع ، أي ينتفع به زماناً ، وتقدم في قوله : { قل متاع الدنيا قليل } في سورة النساء ( 77 ) .

والمُقوِي : الداخل في القَواء ( بفتح القاف والمد ) وهي القفر ، ويطلق المُقوي على الجائع لأن جوفه أقوت ، أي خلقت من الطعام إذ كلا الفعلين مشتق من القَوى وهو الخلاء . وفراغ البطن : قواء وقوى . فإيثار هذا الوصف في هذه الآية ليجمع المعنيين فإن النار متاع للمسافرين يستضيئون بها في مناخهم ويصطلون بها في البَرد ويراها السائر ليلاً في القَفر فيهتدي إلى مكان النُّزَّل فيأوي إليهم ، ومتاع للجائعين يطبخون بها طعامهم في الحضر والسفر ، وهذا إدماج للامتنان في خلال الاستدلال . واختير هذان الوصفان لأن احتياج أصحابهما إلى النار أشد من احتياج غيرهما .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ} (73)

57

وبمناسبة ذكر النار يلمع السياق إلى نار الآخرة : ( نحن جعلناها تذكرة )تذكر بالنار الأخرى . . كما جعلناها ( متاعا للمقوين ) . . أي للمسافرين . وكان لهذه الإشارة وقعها العميق في نفوس المخاطبين ، لما تمثله في واقع حياتهم من مدلول حي حاضر في تجاربهم وواقعهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ} (73)

" نحن جعلناها تذكرة " يعني نار الدنيا موعظة للنار الكبرى ، قال قتادة . ومجاهد : تبصرة للناس من الظلام . وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ) فقالوا يا رسول الله : أن كانت لكافية ، قال : ( فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها ) . " ومتاعا للمقوين " قال الضحاك : أي منفعة للمسافرين ، سموا بذلك لنزولهم القوى وهو القفر . الفراء : إنما يقال للمسافرين : مقوين إذا نزلوا القِيّ وهي الأرض القفر التي لا شيء فيها . وكذلك القَوَى والقَوَاء بالمد والقصر ، ومنزل قَوَاء لا أنيس به ، يقال : أقوت الدار وقويت أيضا أي خلت من سكانها ، قال النابغة :

يا دارَ مَيَّة بالعلياءِ فالسنَدِ *** أَقْوِتْ وطال عليها سالفُ الأمد

وقال عنترة :

حُيِّيتَ من طللٍ تقادم عهدُه *** أقوى وأقفر بعد أمِّ الهيثم

ويقال : أقوى أي قوي وقوي أصحابه ، وأقوى إذا سافر أي نزل القواء والقي . وقال مجاهد : " للمقوين " المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والاصطلاء والاستضاءة ، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار بالله منها . وقال ابن زيد : للجائعين في إصلاح طعامهم . يقال : أقويت منذ كذا وكذا ، أي ما أكلت شيئا ، وبات فلان القَوَاء وبات القفر إذا بات جائعا على غير طعم ، قال الشاعر{[14671]} :

وإني لأختارُ القَوَى طَاوِي الحَشَى *** محافَظَةً من أن يقال لئيم

وقال الربيع والسدي : " المقوين " المنزلين الذين{[14672]} لا زناد معهم ، يعني نارا يوقدون فيختبزون بها ؟ ورواه العوفي عن ابن عباس . وقال قطرب : المقوي من الأضداد يكون بمعنى الفقير ويكون بمعنى الغني ، يقال : أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد ، وأقوى إذا قويت دوابه وكثر ماله . المهدوي : والآية تصلح للجميع ؛ لأن النار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير . وحكى الثعلبي أن أكثر المفسرين على القول الأول . القشيري : وخص المسافر بالانتفاع بها ؛ لأن انتفاعه بها أكثر من منفعة المقيم ؛ لأن أهل البادية لا بد لهم من النار يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع ، وفي كثير من حوائجهم .


[14671]:هو حاتم طي.
[14672]:زيادة من ب.