التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ} (13)

والصب حقيقته : إفراغ ما في الظرف ، وهو هنا مستعار لحلول العذاب دَفعة وإحاطته بهم كما يصب الماء على المغتَسِل أو يصب المطر على الأرض ، فوجه الشبه مركب من السرعة والكثرة ونظيره استعارةُ الإِفراغ في قوله تعالى : { ربنا أفرغ علينا صبراً } [ البقرة : 250 ] ونظير الصب قولهم : شن عليهم الغارةَ .

وكان العذاب الذي أصاب هؤلاء عذاباً مفاجئاً قاضياً .

فأما عاد فرأوا عارض الريح فحسبوه عارض مطر فما لبثوا حتى أطارتهم الريح كل مطير .

وأما ثمود فقد أخذتهم الصيحة .

وأما فرعون فحسبوا البحر منحسراً فما راعهم إلا وقد أحاط بهم .

والسوط : آلة ضرب تتخذ من جلود مضفورة تضرب بها الخيل للتأديب ولتحمِلَها على المزيد في الجري .

وعن الفراء أن كلمة { سوط عذاب } يقولها العرب لكل عذاب يدخل فيه السوط ( أي يقع بالسوط ) ، يُريد أن حقيقتها كذلك ولا يريد أنها في هذه الآية كذلك .

وإضافة { سوط } إلى { عذاب } من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي صب عليهم عذاباً سوطاً ، أي كالسوط في سرعة الإِصابة فهو تشبيه بليغ .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ} (13)

فلما أكثروا في الأرض الفساد ، كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد :

" فصب عليهم ربك سوط عذاب . إن ربك لبالمرصاد " . .

فربك راصد لهم ومسجل لأعمالهم . فلما أن كثر الفساد وزاد صب عليهم سوط عذاب ، وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط ، وبفيضه وغمره حين يذكر الصب . حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية ، على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ} (13)

" فصب{[16050]} عليهم ربك " أي أفرغ عليهم وألقى . يقال : صب على فلان خلعة ، أي ألقاها عليه . وقال النابغة :

فصبَّ عليه اللهُ أحسن صُنْعِهِ *** وكان له بين البريةِ ناصرَا

" سوط عذاب " أي نصيب عذاب . ويقال : شدته ؛ لأن السوط كان عندهم نهاية ما يعذب به . قال الشاعر :

ألم تر أن الله أظهرَ دينَه *** وصَبَّ على الكفار سَوْطَ عَذَابِ

وقال الفراء : وهي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب . وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به ، فجرى لكل عذاب ؛ إذ كان فيه عندهم غاية العذاب . وقيل : معناه عذاب يخالط اللحم والدم . من قولهم : ساطه يسوطه سوطا أي خلطه ، فهو سائط . فالسوط : خلط الشيء بعضه ببعض ، ومنه سمي المسواط . وساطه{[16051]} أي خلطه ، فهو سائط ، وأكثر ذلك يقال : سوط فلان أموره . قال :

فَسُطْهَا ذَمِيمَ الرَّأْيِ غير مُوَفَّقٍ *** فلستَ على تَسْوِيطِها بمعانِ

قال أبو زيد : يقال أموالهم سويطة بينهم ، أي مختلطة . حكاه عنه يعقوب . وقال الزجاج : أي جعل سوطهم الذي ضربهم به العذاب . يقال : ساط دابته يسوطها ، أي ضربها بسوطه . وعن عمرو بن عبيد : كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال : إن عند اللّه أسواطا كثيرة ، فأخذهم بسوط منها . وقال قتادة : كل شيء عذب اللّه تعالى به فهو سوط عذاب .


[16050]:الرواية في البيت كما في ديوانه وشعراء النصرانية: * ورب عليه الله .... الخ * قال البطليموسي شارح الديوان: ربه أتمه. وأصله أن يقال: رببت معروفي عند فلان أربه ربا: إذا أدمته عليه وتممته لديه. و "رب عليه": دعاء معطوف على ما قبله. وهو مدح في النعمان. وعلى هذه الرواية لا شاهد في البيت.
[16051]:في الأصل: (سوطه) بصيغة المصدر. وصيغة الفعل الثلاثي الماضي أمكن هنا.