التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ} (4)

و{ الليل } عطف على { ليالي عشر } عطف الأعم على الأخص أو عطف على { الفجر } بجامع التضاد . وأقسم به لما أنه مظهر من مظاهر قدرة الله وبديع حكمته .

ومعنى يسري : يمضي سائراً في الظلام ، أي إذا انقضى منه جزء كثير ، شُبه تقضي الليل في ظلامه بسير السائر في الظلام وهو السُّرى كما شبه في قوله : { والليل إذ أدبر } [ المدثر : 33 ] وقال : { والليل إذا سجى } [ الضحى : 2 ] ، أي تمكن ظلامه واشتد .

وتقييد { الليل } بظرف { إذا يسر } لأنه وقت تمكن ظلمة الليل فحينئذ يكون الناس أخذوا حظهم من النوم فاستطاعوا التهجد قال تعالى : { إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً } [ المزمل : 6 ] وقال : { ومن الليل فاسجد له وسبحه } [ الإنسان : 26 ] .

وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب : { إذا يسري } بياء بعد الراء في الوصل على الأصل وبحذفها في الوقف لرعي بقية الفواصل : « الفجر ، عشر ، والوتر ، حجر » ففواصل القرآن كالأسجاع في النثر والأسجاعُ تعامل معاملة القوافي ، قال أبو علي : وليس إثباتُ الياء في الوقف بأحسن من الحذف ، وجميع ما لا يحذف وما يُختار فيه أن لا يحذف ( نحو القاض بالألف واللام ) يُحذف إذا كان في قافيةٍ أو فاصلة فإن لم تكن فاصلة فالأحسن إثبات الياء . وقرأ ابن كثير ويعقوب بثبوت الياء بعد الراء في الوصل وفي الوقف على الأصل .

وقرأ الباقون بدون ياء وصْلاً ووقفاً ، وهذه الرواية يوافقها رسم المصحف إياها بدون ياء ، والذين أثبتوا الياء في الوصل والوقف اعتمدوا الرواية واعتبروا رسم المصحف سُنَّة أو اعتداداً بأن الرسم يكون باعتبار حالة الوقف .

وأما نافع وأبو عمرو وأبو جعفر فلا يُوهن رسمُ المصحف روايتهم لأن رسم المصحف جاء على مراعاة حال الوقف ومُراعاةُ الوقف تكثر في كيفيات الرسم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ} (4)

" والليل إذا يسر " . . والليل هنا مخلوق حي ، يسري في الكون ، وكأنه ساهر يجول في الظلام ! أو مسافر يختار السرى لرحلته البعيدة ! يا لأناقة التعبير ! ويا لأنس المشهد ! ويا لجمال النغم ! ويا للتناسق مع الفجر ، والليالي العشر . والشفع والوتر !

إنها ليست ألفاظا وعبارات . إنما هي أنسام من أنسام الفجر ، وأنداء مشعشعة بالعطر ! أم إنه النجاء الأليف للقلب ؟ والهمس اللطيف للروح ؟ واللمس الموحي للضمير ؟

إنه الجمال . . الجمال الحبيب الهامس اللطيف . الجمال الذي لا يدانيه جمال التصورات الشاعرية الطليقة . لأنه الجمال الإبداعي ، المعبر في الوقت ذاته عن حقيقة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ} (4)

قوله تعالى : " والليل إذا يسر " وهذا قسم خامس . وبعد ما أقسم بالليالي العشر على الخصوص ، أقسم بالليل على العموم . ومعنى " يسري " أي يسرى فيه ، كما يقال : ليل نائم ، ونهار صائم . قال :

لقد لُمْتِنَا يا أمَّ غَيْلاَنَ في السُّرَى *** ونِمتِ وما ليلُ المَطَيِّ{[16032]} بنائمِ

ومنه قوله تعالى : " بل مكر الليل والنهار{[16033]} " [ سبأ : 33 ] . وهذا قول أكثر أهل المعاني ، وهو قول القتبي والأخفش . وقال أكثر المفسرين : معنى " يسري " : سار فذهب . وقال قتادة وأبو العالية : جاء وأقبل . وروي عن إبراهيم : " والليل إذا يسر " قال : إذا استوى . وقال عكرمة والكلبي ومجاهد ومحمد بن كعب في قوله : " والليل " : هي ليلة المزدلفة خاصة ؛ لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة اللّه . وقيل : ليلة القدر ؛ لسراية الرحمة فيها ، واختصاصها بزيادة الثواب فيها . وقيل : إنه أراد عموم الليل كله . قلت : وهو الأظهر ، كما تقدم . واللّه أعلم . وقرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب " يسري " بإثبات الياء في الحالين ، على الأصل ؛ لأنها ليست بمجزومة ، فثبتت فيها الياء . وقرأ نافع وأبو عمرو بإثباتها في الوصل ، وبحذفها في الوقف ، وروي عن الكسائي . قال أبو عبيد : كان الكسائي يقول مرة بإثبات الياء في الوصل ، وبحذفها في الوقف ، اتباعا للمصحف . ثم رجع إلى حذف الياء في الحالين جميعا ؛ لأنه رأس آية ، وهي قراءة أهل الشام والكوفة ، واختيار أبي عبيد ، اتباعا للخط ؛ لأنها وقعت في المصحف بغير ياء . قال الخليل : تسقط الياء منها اتفاقا لرؤوس الآي . قال الفراء : قد تحذف العرب الياء ، وتكتفي بكسر ما قبلها . وأنشد بعضهم :

كَفَّاكَ كَفٌّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا *** جُودا وأخرى تعطِ بالسيف الدَّما{[16034]}

يقال : فلان ما يليق درهما من جوده ، أي ما يمسكه ، ولا يلصق به . وقال المؤرج : سألت الأخفش عن العلة في إسقاط الياء من " يسر " فقال : لا أجيبك حتى تبيت على باب داري سنة ، فبت على باب داره سنة ؛ فقال : الليل لا يَسْرِي وإنما يَسْرَى فيه ، فهو مصروف ، وكل ما صرفته عن جهته بخسته من إعرابه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : " وما كانت أمك بغيا{[16035]} " [ مريم : 28 ] ، لم يقل بغية ، لأنه صرفها عن باغية . الزمخشري : وياء " يسري " تحذف في الدرج ، اكتفاء عنها بالكسرة ، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة . وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم ، والجواب محذوف ، وهو ليعذبن ، يدل عليه قوله تعالى : " ألم تر كيف فعل ربك " إلى قوله تعالى " فصب عليهم ربك سوط عذاب " [ الفجر :13 ] . وقال ابن الأنباري هو " إن ربك لبالمرصاد " [ الفجر :14 ] .


[16032]:هذا البيت من قصيدة لجرير يرد بها على الفرزدق.
[16033]:آية 33 سورة سبأ.
[16034]:البيت في (اللسان: لبق) غير منسوب لقائله. وفي تفسير الطبري (طبعة الحلبي 12/116).
[16035]:آية 28 سورة مريم.