التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ} (9)

ومُنع { ثمود } من الصرف لأن المراد به الأمة المعروفة ، ووصف باسم الموصول لجمع المذكّر في قوله : { الذين جابوا } دون أن يقول التي جابت الصخر بتأويل القوم فلما وُصف عدل عن تأنيثه تفنناً في الأسلوب .

ومعنى { جابوا } : قطعوا ، أي نَحتوا الصخر واتخذوا فيه بيوتاً كما قال تعالى : { وتنحتون من الجبال بيوتاً } [ الشعراء : 149 ] وقد قيل : إن ثمود أول أمم البشر نحتوا الصخر والرخام .

و{ الصخر } : الحجارة العظيمة .

والواد : اسم لأرض كائنةٍ بين جبلين منخفضة ، ومنه سمي مجرى الماء الكثير واداً وفيه لغتان : أن يكون آخره دَالاً ، وأن يكون آخره ياء ساكنةً بعد الدال .

وقرأ الجمهور بدون ياء . وقرأه ابن كثير ويعقوب بياء في آخره وصلا ووقفاً ، وقرأه ورش عن نافع بياء في الوصل وبدونها في الوقف وهي قراءة مبنية على مراعاة الفواصل مثل ما تقدم في قوله تعالى : { والليل إذا يسر } [ الفجر : 4 ] وهو مرسوم في المصحف بدون ياء والقراءات تعتمد الرواية بالسمع لا رسم المصحف إذ المقصود من كتابة المصاحف أن يتذكر بها الحفاظ ما عسى أن ينسَوْه .

والواد : علَم بالغلبة على منازل ثمود ، ويقال له : وادي القُرى ، بإضافته إلى « القرى » التي بنتها ثمود فيه ويسمى أيضاً « الحِجر » بكسر الحاء وسكون الجيم ، ويقال لها : « حِجر ثمود » وهو واد بين خيبر وتَيْماء في طريق الماشي من المدينة إلى الشام ، ونزله اليهود بعد ثمود لما نزلوا بلادَ العرب ، ونزله من قبائل العرب قُضاعة وجهينة ، وعُذرة وبَليٌّ .

وكان غزاه النبي صلى الله عليه وسلم وفتحه سنة سبع فأسلم من فيه من العرب وصُولحت اليهود على جِزْيَةٍ .

والباء في قوله : { بالواد } للظرفية .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ} (9)

" وثمود الذين جابوا الصخر بالواد " . . وكانت ثمود تسكن بالحجر في شمال الجزيرة العربية بين المدينة والشام . وقد قطعت الصخر وشيدته قصورا ؛ كما نحتت في الجبال ملاجئ ومغارات . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ} (9)

ثمود : هم قوم صالح . و " جابوا " : قطعوا . ومنه : فلان يجوب البلاد ، أي يقطعها . وإنما سمي جيب القميص لأنه جيب . أي قطع . قال الشاعر وكان قد نزل على ابن الزبير بمكة ، فكتب له بستين وسقا يأخذها بالكوفة . فقال :

راحت رَوَاحًا قَلُوصِي وهي حامدةٌ *** آلَ الزُّبَيْرِ ولم تَعْدِلْ بهم أحدَا

راحت بستين وسْقًا في حقيبتِها *** ما حَمَلَتْ حَمْلَهَا الأدنى ولا السَّدَدَا

ما إن رأيتُ قَلُوصًا قبلها حملت *** ستين وَسْقًا ولا جابَتْ به بلدَا

أي قطعت . قال المفسرون : أول من نحت الجبال والصور والرخام : ثمود . فبنوا من المدائن ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة . ومن الدور والمنازل ألفي ألف وسبعمائة ألف ، كلها من الحجارة . وقد قال تعالى : " وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين{[16046]} " [ الحجر : 82 ] . وكانوا لقوتهم يخرجون الصخور ، وينقبون الجبال ، ويجعلونها بيوتا لأنفسهم . " بالوادي " أي بوادي القرى . قاله محمد بن إسحاق . وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة قال : أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزاة تبوك على وادي ثمود ، وهو على فرس أشقر ، فقال : [ أسرعوا السير ، فإنكم في واد ملعون ] . وقيل : الوادي بين جبال ، وكانوا ينقبون في تلك الجبال بيوتا ودورا وأحواضا . وكل منفرج بين جبال أو تلال يكون مسلكا للسيل ومنفذا فهو واد .


[16046]:آية 82 سورة الحجر.