التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور  
{لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (34)

جملة { لهم ما يشاءون عند ربهم } مستأنفة استئنافاً بَيانياً لأنهم لما قصر عليهم جنس المتقين كان ذلك مشعراً بمزية عظيمة فكان يقتضي أن يَسأل السامع عن جزاء هذه المزية فبُين له أن لهم ما يشاؤون عند الله . و { ما يشاءون } هو ما يريدون ويتمنون ، أي يعطيهم الله ما يطلبون في الجنة .

ومعنى { عند ربِّهم } أن الله ادّخر لهم ما يبتغونه ، وهذا من صيغ الالتزام ووعدِ الإِيجاببِ ، يقال : لك عندي كذا أي ألتزِمُ لك بكذا ، ثم يجوز أن الله يلهمهم أن يشاءوا ما لا يتجاوز قدرَ ما عَين الله من الدرجات في الجنة فإن أهل الجنة متفاوتون في الدرجات . وفي الحديث : « إن الله يقول لأحدهم : تمنَّهْ ، فلا يزال يتمنى حتى تنقطع به الأَماني فيقول الله لك ذلك وعشرةُ أمثاله معه »

ويجوز أن { مَا يَشاءُون } مما يقع تحت أنظارهم في قُصورهم ويحجب الله عنهم ما فوق ذلك بحيث لا يسألون إلا ما هو من عطاءِ أمثالهم وهو عظيم ويقلع الله من نفوسهم ما ليس من حظوظهم .

ويجوز أن { مَا يَشاءُون } كناية عن سعة ما يُعطَوْنَه كما ورد في الحديث " ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سَمِعَت ولا خطَر على قلب بشر " وهذا كما يقول من أسديتَ إليه بعمل عظيم : لكَ عليَّ حُكْمُك ، أو لَك عندي ما تَسْأَل ، وأنت تريد ما هو غاية الإِحسان لأمثاله .

وعُدل عن اسم الجلالة إلى وصف { رَبِّهم } في قوله : { عِندَ رَبِّهم } إيماء إلى أنه يعطيهم عطاءَ الربوبية والإِيثار بالخير .

ثم نوه بهذا الوعد بقوله : { ذلك جزاء المُحسنين } والمشار إليه هو ما يشاءون لِما تضمنه من أنه جزاء لهم على التصديق . وأشير إليه باسم الإِشارة لتضمنه تعظيماً لشأن المشار إليه . والمراد بالمحسنين أولئك الموصوفون بأنهم المتقون ، وكانَ مقتضى الظاهر أن يؤتى بضميرهم فيقال : ذلك جزاؤهم ، فوقع الإِظهار في مقام الإِضمار لإِفادة الثناء عليهم بأنهم محسنون .

والإِحسان : هو كمال التقوى لأنه فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه : « أن تعبد الله كأنك تراه » وأيُّ إحسان وأيُّ تقوى أعظمُ من نبذهم ما نشأوا عليه من عبادة الأصنام ، ومن تحملهم مخالفة أهليهم وذويهم وعداوتهم وأذاهم ، ومِن صبرهم على مصادرة أموالهم ومفارقة نسائهم تصديقاً للذي جاء بالصدق وإيثاراً لِرِضى الله على شهوة النفس ورضى العشِيرةَ .