نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ} (19)

ثم فصل ظلمهم بقوله : { الذين يصدون } أي يعرضون في أنفسهم ويمنعون غيرهم { عن سبيل } أي دين { الله } أي الملك{[39015]} الذي له الكمال كله مع أنه الولي الحميد { ويبغونها } أي يريدون بطريق{[39016]} الدين {[39017]}الواسعة السهلة{[39018]} { عوجاً } بإلقاء الشبهات والطعن في الدلائل مع كونها في غاية الاستقامة .

ولما كان النظر شديداً إلى بيان كذبهم وتكذيبهم ، بولغ في تأكيد قوله : { وهم } أي بضمائرهم وظواهرهم ؛ ولما كان تكذيبهم بالآخرة شديداً ، قدم قوله : { بالآخرة } وأعاد الضمير تأكيداً لتعيينهم وإثبات غاية الفساد لبواطنهم واختصاصهم بمزيد الكفر فقال{[39019]} : { هم كافرون } أي عريقون في هذا الوصف ؛ والعرض : إظهار الشيء بحيث يرى للتوقيف على حالة{[39020]} ، والصد : المنع بالإغراء الصارف عن الأمر ؛ والبغية : طلب أمر من الأمور ، وهي إرادة وجدان المعنى بما يطمع فيه ؛ والعوج : العدول عن طريق الصواب ، وهو في المعنى كالدين بالكسر ، وفي غيره كالعود بالفتح فرقاً بين ما يرى وما لا يرى ، جعلوا السهل للسهل والصعب للصعب ؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في النجوى : " يدنى المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقرره بذنوبه : تعرف ذنب كذا ؟ يقول : أعرف رب أعرف - مرتين ، ويقول : سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم ، ثم يطوي صحيفة حسناته ، وأما الآخرون أو الكفار فينادي على رؤوس الأشهاد { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } " .


[39015]:زيد من ظ.
[39016]:في ظ: الطريق.
[39017]:في ظ: السهلة الواسعة.
[39018]:في ظ: السهلة الواسعة.
[39019]:زيد من ظ.
[39020]:في ظ: حاله.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ} (19)

قوله : { الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هو الكافرون } هذا وصف لهؤلاء الظالمين الذين كذبوا على ربهم ؛ فهم { يصدون عن سبيل الله } وسبيل الله هو دنيه المستقيم ؛ أي يمنعون الناس أن يؤمنوا بالله إيمانا صحيحا ؛ إذ يصدوهم بمختلف الأسباب مما يفتنهم عن عقيدة التوحيد الخالص لله ، وعن الأخذ بمنهج الله للعباد وهو الإسلام { ويبغونها عوجا } والضمير عائد إلى سبيل الله وهو الإسلام ؛ فالكافرون والظالمون الذين يكرهون الإسلام ويحادون الله ورسوله { ويبغونها عوجا } أي يلتمسون أن تكون هذه السبيل زيغا وميلا عن الحق . يردون أن يكون دين الإسلام موافقا لأهوائهم في الضلالة والباطل فلا يكونون مسلمين حقا بل يريدونهم أشباه مسلمين لكي يستضعفوهم ويستذلوهم ويستحوذوا عليهم . وذلك هو ديدن الكافرين والظالمين من أعداء الإسلام في كل زمان ومكان . إنهم يحرصون على حمل المسلمين على التحلل من عري الإسلام ومبادئه الوافية الراسخة المتكاملة ثم يأخذون بهذا الدين وقد أسقطت منه مبادئ أساسية شتى كالجهاد والحدود ونظام المواريث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومجانبة المحظورات والرذائل الخلقية والاجتماعية ، إلى غير ذلك من قضايا الحلال والحرام ، فلا يبقى بعد ذلك من الإسلام إلا بقية من أشتات الديانة الممزقة الباهتة ، أو أشتات الأحكام في العبادات والأحوال الشخصية . وهي هذه لا تنجو من كيد التلاعب والانتقاص والتطور المزعوم وهم في ذلك كله يتذرعون بذرائع سقيمة كاذبة مثل الحرية الشخصية ونحوها . وهذا هو أسلوب الماكرين والخبيثين من شياطين البشر الذين يريدون أن ينسفوا الإسلام نسفا ليصير بعد ذلك إلى دين مضطرب ضعيف مسلوب لا روح فيه ولا قوة . وليصير المسلمون جموعا من المستضعفين ، وقد خسروا أعظم مقوماتهم النفسية والفكرية والشخصية والحضارية : مقوماتهم المتماسكة المتكاملة الرصينة التي جاء بها الإسلام ليصنع بها الأمة الواحدة العظيمة المهيبة .

قوله : { وهم بالآخرة هم كافرون } الواو ، واو الحال . هم الثانية لتأكيد كفرهم بالآخرة . أي أنهم يصدون عن دين الله ويلتمسون أن يكون هذا الدين زائغا معوجا ويبغون للمسلمين الارتداد ، والحال أنهم يجحدون البعث ويكفرون به .