تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم نعت أعمالهم الخبيئة، فقال: {الذين يصدون عن سبيل الله}، يعني دين الإسلام، {ويبغونها عوجا}، ويريدون بملة الإسلام زيفا، {وهم بالآخرة}، يعني بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، {كافرون}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول جلّ ثناؤه: إن المؤذّن بين أهل الجنة والنار يقول: أن لعنة الله على الظالمين الذين كفروا بالله وصدّوا عن سبيله. "ويَبْغُونَها عِوَجا "يقول: حاولوا سبيل الله، وهو دينه، أن يغيروه ويبدلوه عما جعله الله له من استقامته. "وَهُمْ بالآخِرَةِ كافِرُونَ" يقول: وهم لقيام الساعة والبعث في الآخرة والثواب والعقاب فيها جاحدون...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
الصّد يكون منع غيره، ويكون منع نفسه. قال الحسن: سبيل الله دين الله الذي ارتضى لعباده، وأمرهم بذلك، وإلى ذلك دعا رسله.
وقوله تعالى: {ويبغونها عوجا} أي يبغون الدّين الذي فيه عوج، وهو دين الشيطان كقوله تعالى: {ولا تتّبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] فالعوج هو التفرق الذي ذكر في تلك الآية. وأمكن أن يكون قوله {ويبغونها عوجا} أي طعنا في دين الله. وقد كانوا يبغون طعنا في دين الله...
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
{الَّذِينَ يَصُدُّونَ}: يصرفون. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً}: يطلبونها زيغاً وميلاً...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
... الصد: هو العدول عن الشيء عن قلى.
وقوله "يبغونها عوجا "معنى يبغونها: يطلبون لها العوج بالشُّبَه التي يلبسون بها ويوهمون أنها تقدح فيها، وأنها معوجة عن الحق بتناقضها.
...الصفة الثانية: قوله: {الذين يصدون عن سبيل الله} ومعناه: أنهم يمنعون الناس من قبول الدين الحق، تارة بالزجر والقهر، وأخرى بسائر الحيل.
والصفة الثالثة: قوله: {ويبغونها عوجا} والمراد منه إلقاء الشكوك والشبهات في دلائل الدين الحق.
والصفة الرابعة: قوله: {وهم بالآخرة كافرون}. واعلم أنه تعالى لما بين أن تلك اللعنة إنما أوقعها ذلك المؤذن على الظالمين الموصوفين بهذه الصفات الثلاثة، كان ذلك تصريحا بأن تلك اللعنة ما وقعت إلا على الكافرين...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة، حتى لا يتبعها أحد...
وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون، أي: جاحدون مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به. فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل؛ لأنهم لا يخافون حسابًا عليه ولا عقابًا، فهم شر الناس أعمالا وأقوالا...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
ثم وصف هؤلاء الظالمين بقوله: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} تقدم أن صد يصد يجيء لازما بمعنى يعرض ويمتنع عن الشيء ومتعديا بمعنى يصد غيره ويصرفه عنه، وإن الإيجاز في مثل هذا التعبير يقتضي الجمع بينهما أي الذين يعرضون عن سلوك سبيل الله الموصلة إلى مرضاته وكرامته وثوابه ويضلون الناس عنها، ويمنعونهم من سلوكها، ويبغونها معوجة أو ذات عوج أي غير مستوية ولا مستقيمة حتى لا يسلكها أحد...
وأما قوله تعالى {وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُون} فهو خاص بمنكري البعث من أولئك الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهو شر تلك الفرق كلها أي وهم على ضلالتهم وإضلالهم كافرون بالآخرة كفرا راسخا قد صار صفة من صفاتهم فلا يخافون عقابا على إجرامهم فيتوبوا منه، وتقديم الجار والمجرور (بالآخرة) على متعلقة للاهتمام به فإن أصل كفرهم قد علم مما قبله، وهذا النوع منه له تأثير خاص في إصرارهم على ما أسند إليهم، وقد غفل عن هذا من قال إن التقديم لأجل رعاية الفاصلة.
ومن المعلوم أن المؤذن بلعن هؤلاء في الآخرة يصفهم بالظلم ويسند إليهم الصد عن سبيل الله وبغيها عوجا بصيغة المضارع ويصفهم بالكفر بالآخرة في الآخرة بعد أن زال الكفر بها، بعين اليقين فيها، وفات زمن الصد عنها وبغيها عوجا. والنكتة في هذا تصوير حالهم التي كانوا عليها في الدنيا وترتب عليها ما صاروا إليه في الآخرة. ليتذكروها هم وكل من سمع التأذين بها، ويعلموا عدل الله بعقابهم عليها، وليعتبر بها في الدنيا من يتصور حالهم هذه. فكانت البلاغة أن يعدل هنا عن صيغة الماضي إلى صيغة الحال حتى يخيل أنه هو الواقع عند إطلاق الكلام، كما كانت البلاغة في العدول عن صيغة الاستقبال في تحاور أهل الجنة وأهل النار إلى صيغة الماضي لإثبات القطع به وتحقق وقوعه. ويجوز أن يكون وصفهم بما ذكر مستأنف من كلام الله تعالى لا من كلام المؤذن.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
في هذا الوصف: (ويبغونها عوجاً).. إيحاء بحقيقة ما يريده الذين يصدون عن سبيل الله. إنهم يريدون الطريق العوجاء؛ ولا يريدون الطريق المستقيم. يريدون العوج ولا يريدون الاستقامة. فالاستقامة لها صورة واحدة: صورة المضي على طريق الله ونهجه وشرعه. وكل ما عداه فهو أعوج؛ وهو إرادة للعوج. وهذه الإرادة تلتقي مع الكفر بالآخرة. فما يؤمن بالآخرة أحد، ويستيقن أنه راجع إلى ربه؛ ثم يصد عن سبيل الله، ويحيد عن نهجه وشرعه.. وهذا هو التصوير الحقيقي لطبيعة النفوس التي تتبع شرعاً غير شرع الله. التصوير الذي يجلو حقيقة هذه النفوس ويصفها الوصف الداخلي الصحيح...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
...والعِوَج: ضدّ الاستقامة، وهو بفتح العين في الأجسام: وبكسر العين في المعاني...
... وورد وصفهم بالكفر بطريق الجملة الاسميّة في قوله: {وهم بالآخرة كافرون} للدّلالة على ثبات الكفر فيهم وتمكّنه منهم، لأنّ الكفر من الاعتقادات العقليّة التي لا يناسبها التّكرّر، فلذلك خولف بينه وبين وصفهم بالصدّ عن سبيل الله وبغي إظهار العِوَج فيها، لأنّ ذَيْنك من الأفعال القابلة للتّكرير، بخلاف الكفر فإنّه ليس من الأفعال، ولكنّه من الانفعالات...
قوله : { الذين يصدون عن سبيل الله } الذين في محل جر نعت للظالمين . أو في محل رفع خبر لمبتدأ تقديره الضمير ، هم . أو في محل نصب لفعل محذوف تقديره أعني ، ويصدون من الصد وهو الصرف أو المنع ؛ أي يمنعون عن سبيل الله وهو دينه{[1406]} .
هذا من جملة النداء الذي ينادي بين أهل الجنة وأهل النار . والمنادي في ندائه مخول من ربه أن يلعن الظالمين الذين كانوا في الدنيا يصدون الناس عن دين الله ؛ فهم أنفسهم معرضون عن دين الله ومنهجه القويم للناس ، ثم يتعدون هذا الإعراض إلى صد البشرية بصرفها عن التوجه نحو الحق . لا جرم أن دين الإسلام بعقيدته ومثله وقيمه وتعاليمه وتشريعه لهو عين الحق والصدق والكمال . وهو ما تصلح عليه البشرية تمام الصلاح ، وتستقيم على أساسه كامل الاستقامة في كل أحوالها النفسية والثقافية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية . وهذه حقيقة واضحة وملموسة بفعل التجربة الواقعية التي عاينها المسلمون إبان الحكم بهذا الدين ، وإبان سلطان الإسلام الوارف المهين على الأرض لكن الظالمين الذي تتفطر قلوبهم ضغنا وحسدا لفرط كراهيتهم للإسلام والمسلمين ما برحوا يصدون عن الإسلام منذ أن بزغ فجره إلى هذه الدنيا ما برح المشركون والمتربصون على اختلاف مللهم وأديانهم وعقائدهم يحادون الله ورسوله ، ويشاقون الإسلام أفظع مشاقة ، ويتآمرون على المسلمين أبشع تآمر . ولئن كان التآمر والكيد للإسلام والمسلمين في الأزمنة الماضية بالوسائل البدائية الهمجية كالقتل والإبادة والاستئصال ، كالذي حل بالمسلمين في بغداد على أيدي المغول التتار ، أو الذي حل بالمسلمين في الأندلس على أيدي الصليبيين الحاقدين . . لئن كان التآمر والكيد في الأزمنة الفائتة على هذه الصورة والكيفية من الاستصال وإزهاق الأرواح وتعذيب الأجساد ، فإن الظالمين في الزمان الراهن أشد براعة ونكرا وأخبث وسيلة وأسلوبا في صد البشرية عن الإسلام وصرف المسلمين بالذات عن هذا الدين العظيم . وذلك بما برعوا من أساليب التشويه والتشكيك وافتراء الإشاعات الكاذبة والأخبار الملفقة المكذوبة عن منهج الإسلام ؛ وذلك لتشويه الأفكار وتسميم العقول لدى المسلمين حتى ينثنوا عن دنيهم .
ولقد انبرى لمثل هذه العملية الهائلة الظالمة متخصصون في مختلف المجالات التشريعية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية وسائر ما يسمى في الاصطلاح الراهن بالعلوم الإنسانية . وقد زود هؤلاء بكل ما يحتاجون إليه من أسباب الدعاية والنشر كالطباعة ووسائل الإعلام وكتابة الصحائف والنشرات والمؤلفات المخلفة بالافتراءات والأكاذيب على الإسلام ، والطعن في أغلب معانيه وتعاليمه بما يصد الناس عن هذا الدين صدا ، وبما يثير في أذهان المسلمين تشويها كبيرا عن دينهم فينثنون عنه انثناء الجامحين الشاردين الذين استحوذت عليهم الشياطين من خصوم الإسلام فأغووهم وأضلوهم ضلالا مهينا .
ويضاف إلى هذه الأساليب النفسية والفكرية الخبيثة ما أنزله أعداء الإسلام بساحة المسلمين من العذاب والويلات الجسدية والإبادة الجماعية كحملات التقتيل والتنكيل والتشريد . ومن جملة ذلك ما حل بالمسلمين في كشمير نتيجة للتواطؤ القذر بين البريطانيين الاستعماريين ، والوثنيين الهندوس عبدة البقر . ثم ما حل بالمسلمين في بلاد وطئتها أقدام الشيوعيين الملحدين ، فعاثوا فيها خرابا وإذلالا مثل كمبوديا وسمرقند . وكذلك ما حل بالمسلمين في فلسطين حيث التدمير والتشريد والاستئصال نتيجة للتواطؤ الخسيس بين الاستعماريين البريطانيين والصهيونيين من اليهود وأعوانهم ، لقد توطأ هؤلاء جميعا في أوكار العار والتأمر والخيانة على المسلمين في فلسطين ؛ إذ أخرجوهم منها إخراجا بعد أن فعلوا فيهم صنوف الأفاعيل الشيطانية كالتخويف والترهيب والتقتيل والتهجير بالقوة . وأخيرا مأساة المسلمين في بلاد البوسنة والهرسك ، وما تحمله لنا الأخبار الفظيعة والمذهلة عن أهوال رعيبة ارتكبها المجرمون الطغاة من الصرب والروس في حق المسلمين ، إن ما يقترفه هؤلاء الأشرار والأنجاس من صور الطغيان والظلم والاغتصاب وانتهاك الحرمات في بلاد المسلمين ما ينبغي أن تطأطئ له رؤوس العالمين وجباههم خجلا واستحياء . إن هؤلاء المجرمين الطغاة إنما يقارفون أفاعيلهم المنكرة الشنيعة بما تحملونه في نفوسهم وأذهانهم وقناعاتهم من الحوافز على قتل المسلمين وتعذيبهم وإبادتهم . حوافز خبيثة رعناء تجتمع فيها الصليبية الضالة الحمقاء مع الماركسية الماكرة الحاقدة .
قوله : { ويبغونها عوجا } الضمير في : يبغونها ، يعود على سبيل الله وهو دينه الاسلام . والعوج ، معناه الميل ، وهو خلاف الاعتدال{[1407]} هؤلاء الظالمون الذين يصرفون الناس عن الحق ويمنعون المسلمين من التزام دنيهم وما فيه من منهج للحياة يريدون أن يكون الإسلام تبعا لما يبتغونه له من الميل والاعوجاج عن طريقه المستقيم . يريدون للإسلام أن يكون موافقا لأهوائهم ورغبتهم في تمييعه وحرفه عن طبيعته الحقيقية المتماسكة . طبيعته المنزلة من عند الله والتي أراد الله لها أن تكون وافية كاملة شاملة لا تقبل التجزئة أو التفريق . وذلك هو دأب المتربصين بالإسلام من خصومه الاستعماريين والصليبيين والملحدين والصهيونيين ؛ فهم جميعا يبذلون كل طاقاتهم وجهودهم من أجل التلبيس على المسلمين ليروا دينهم الإسلام على غير حقيقته من التوحيد والاستقامة والعدل والاستعلاء والجد . يريدون أن يلبسوا على المسلمين دينهم ليأخذوا به مشوها مائلا عن حقيقته السليمة المستقيمة ؛ ليأخذوه دينا مضطربا محرفا . أو ليأخذوه أشتاتا من الدين المشوه المختلط . أو يجعلوه نمطا من التدين المضلل كالصوفية الهائمة الشاطحة البلهاء التي تركن إلى السلبية بالتوقع واعتزال الجهاد ومواجهة الظالمين ، أو يجعلوه دينا مفككا مضطربا يأخذ المسلمون ببعضه في الأحوال الشخصية والأخلاق الحميدة والعبادات المجردة ، ويعرضون عن بعضه الآخر من مقتضيات الإسلام الأساسية كالجهاد ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وحمل لواء الإسلام للعالمين في غاية الهمة والشجاعة ، والاستعلاء على الظالمين المتربصين من أعداء الإسلام ؛ وذلك هو الإسلام الحقيقي الكامل الذي فرضه الله للعالمين كافة ، وإن كرهه الظالمون وكادوا له كيدا بليغا .
قوله : { وهم بالآخرة كافرون } هؤلاء المشركون الظالمون الذين يصدون عن دين الله ويبغون الإسلام أن ينقلب ضعيفا مفككا مضطربا ، لا جرم أنهم كافرون بيوم القيامة وما تنطوي عليه من أهوال وقواصم تنتظر العتاة المجرمين من دعاة الفساد والإلحاد والتخريب في الأرض ، إنهم لا يعبأون بالحق أو الفضائل ، ولا تصيخ قلوبهم وآذانهم لنداء المنطق والحكمة ، وإنما دأبهم الانزلاق سراعا خلف الشيطان بوسوسته وإغوائه وإطغائه تحصيلا لشهواتهم وأهوائهم الهابطة الرخيصة .