الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٖ} (101)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ولا صديق حميم} يعني: القريب الشفيق، فيشفعون لنا كما يشفع المؤمنين، وذلك أنهم لما رأوا كيف يشفع الله عز وجل، والملائكة، والنبيين في أهل التوحيد، قالوا عند ذلك: {فما لنا من شافعين} إلى آخر الآية... استكثروا من صداقة المؤمنين، فإن المؤمنين يشفعون يوم القيامة، فذلك قوله سبحانه: {ولا صديق حميم}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 100]

وقوله:"فَمَا لَنا مِنْ شافِعِينَ" يقول: فليس لنا شافع فيشفع لنا عند الله من الأباعد، فيعفو عنا، وينجينا من عقابه.

"وَلا صَدِيقٍ حَميمٍ "من الأقارب.

واختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بالشافعين، وبالصديق الحميم، فقال بعضهم: عني بالشافعين: الملائكة، وبالصديق الحميم: النسيب...

وقال آخرون: كل هؤلاء من بني آدم.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

والحميم: القريب الذي يحمي بغضب صاحبه، والحميم هو الحامي، ومنه الحمى. وأحم الله ذلك من لقائه: أي أدناه...

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

أي: صديق خاص، وقيل: صديق قريب، وسمى حميما؛ لأنه يَحُمُّ لك ويغضب لأجلك... والصديق هو الصادق في المودة على شرط الدين.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَلاَ صَدِيقٍ} كما نرى لهم أصدقاء، لأنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون. وأما أهل النار فبينهم التعادي والتباغض، قال الله تعالى: {الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين} [الزخرف: 67] أو: فمالنا من شافعين ولا صديق حميم من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء، لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله، وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس. أو أرادوا أنهم وقعوا في مهلكة علموا أنّ الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم، فقصدوا بنفيهم نفي ما يتعلق بهم من النفع؛ لأنّ ما لا ينفع حكمه حكم المعدوم.

والحميم من الاحتمام، وهو الاهتمام، وهو الذي يهمه ما يهمك. أو من الحامة بمعنى الخاصة، وهو الصديق الخاص. فإن قلت: لم جمع الشافع ووحد الصديق؟ قلت: لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق. ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته، رحمة له وحسبة، وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة. وأما الصديق -وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهملك- فأعز من بيض الأنوق... ويجوز أن يريد بالصديق: الجمع.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{ولا صديق حميم} وفي هذه اللفظة منبهة على محل الصديق من المرء، قال ابن جريج {شافعين} من الملائكة و {صديق} من الناس.

قال القاضي أبو محمد: ولفظة «الشفيع» تقتضي رفعة مكانه، ولفظ «الصديق» يقتضي شدة مساهمة ونصرة، وهو (فعيل) من صدق الود من أبنية المبالغة.

و «الحميم» الولي والقريب الذي يخصك أمره ويخصه أمرك وحامة الرجل خاصته.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان الصديق قد لا يكون أهلاً لأن يشفع، قالوا تأسفاً على أقل ما يمكن: {ولا صديق} أي يصدق في ودنا ليفعل ما ينفعنا. ولما كان أصدق الصداقة ما كان من القريب قال: {حميم} أي قريب، وأصله المصافي الذي يحرقه ما يحرقك، لأنا قاطعنا بذلك كل من له أمر في هذا اليوم؛ وأفرد تعميماً للنفي وإشارة إلى قلته في حد ذاته أو عدمه.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

فهو تتميم أثارهُ ما يلقونه من سوء المعاملة من كل من يمرون به أو يتصلون، ومن الحرمان الذي يعاملهم كل من يسألونه الرفق بهم حتى علموا أن جميع الخلق تتبرأ منهم كما قال تعالى: {ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب} فإن الصديق هو الذي يواسيك أو يسليك أو يتوجع ويومئذ حقّت كلمة الله {الأخِلاّء يومئذ بعضهُم لبعض عدوّ إلا المتقين} [الزخرف: 67] وتقدم الكلام على الصديق في قوله تعالى: {أو صديقكم} في سورة النور (61).

والحميم: القريب، فعيل من حَمَّ (بفتح الحاء) إذا دنا وقرُب فهو أخص من الصديق. والمراد نفي جنس الشفيع وجنس الصديق لوقوع الاسمين في سياق النفي المؤكَّد ب {من} الزائدة، وفي ذلك السياق يستوي المفرد والجمع في الدلالة على الجنس. وإنما خولف بين اسمي هذين الجنسين في حكاية كلامهم إذ جيء ب {شافعين} جمعاً، وب {صديق} مفرداً، لأنهم أرادوا بالشافعين الآلهة الباطلة وكانوا يعهدونهم عديدين فجرى على كلامهم ما هو مرتسم في تصورهم. وأما الصديق فإنه مفروض جنسُه دون عدد أفراده إذ لم يَعنُوا عدداً معيّناً فبقي على أصل نفي الجنس، وعلى الأصل في الألفاظ إذْ لم يكن داع لغير الإفراد. والذي يبدو لي أنه أوثر جمع {شافعين} لأنه أنسب بصورة ما في أذهانهم كما تقدم. وأما إفراد {صديق} فلأنه أريد أن يُجرى عليه وصف {حميم} فلو جيء بالموصوف جمعاً لاقتضى جمع وصفه، وجمعُ {حميم} فيه ثقل لا يناسب منتهى الفصاحة ولا يليق بصورة الفاصلة مع ما حصل في ذلك من التفنن الذي هو من مقاصد البلغاء.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٖ} (101)

" ولا صديق حميم " أي صديق مشفق ، وكان علي رضي الله عنه يقول : عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة ، ألا تسمع إلى قول أهل النار : " فما لنا من شافعين ولا صديق حميم " الزمخشري : وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقتله ، ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته ، رحمة له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة ، وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأنوق ، وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال : اسم لا معنى له . ويجوز أن يريد بالصديق الجمع والحميم القريب والخاص ، ومنه حامة الرجل أي أقرباؤه . وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار ، ومنه الحمام والحمى ، فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه ، يقال : وهم حزانته أي يحزنهم ما يحزنه . ويقال : حم الشيء وأحم إذا قرب ، ومنه الحمى ؛ لأنها تقرب من الأجل . وقال علي بن عيسى : إنما سمي القريب حميما ؛ لأنه يحمي لغضب صاحبه ، فجعله مأخوذا من الحمية . وقال قتادة : يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودة الصديق ورقة الحميم . ويجوز : " ولا صديق حميم " بالرفع على موضع " من شافعين " ؛ لأن " من شافعين " في موضع رفع . وجمع صديق أصدقاء وصدقاء وصداق . ولا يقال صدق للفرق بين النعت وغيره . وحكى الكوفيون : أنه يقال في جمعه صدقان . النحاس : وهذا بعيد ؛ لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان . وحكموا أيضا صديق وأصادق . وأفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا نحو أشجع وأشاجع . ويقال : صديق للواحد والجماعة وللمرأة ، قال الشاعر{[12213]} :

نصَبْنَ الهوى ثم ارتمين قلوبَنا *** بأعين أعداءٍ وهنَّ صديقُ

ويقال : فلان صديقي أي أخص أصدقائي ، وإنما يصغر على جهة المدح ، كقول حباب ابن المنذر : ( أنا جُذَيلها{[12214]} المحكك ، وعُذَيْقُها المُرَجَّب ) ذكره الجوهري . النحاس : وجمع حميم أحِمَّاء وأحِمَّة وكرهوا أفعلاء للتضعيف .


[12213]:هو جرير.
[12214]:عني بجذيلها المحكك الأصل من الشجرة- أو عود ينصب- تحتك به الإبل فتشتفى به، أي قد جربتني الأمور ولي علم ورأي يشتفى بهما كما تشتفي هذه الإبل الجربى بهذا الجذيل. والترجيب هنا: إرفاد النخلة من جانب ليمنعها من السقوط، أي إن لي عشيرة تعضدني وتمنعني. والعذيق تصغير عذق (بالفتح) وهي النخلة بحملها.