{ فَسِيحُواْ فِى الآرض } أي سيروا فيها حيث شئتم ، وأصل السياحة جريان الماء وانبساطه ثم استعملت في السير على مقتضى المشيئة ، ومنه قوله :
لو خفت هذا منك ما نلتني *** حتى ترى خيلاً أمامي تسيح
ففي هذا الأمر من الدلالة على كمال التوسعة والترفية ما ليس في سيروا ونظائره وزيادة { فِى الآرض } زيادة في التعميم ، والكلام بتقدير القول أي فقولوا لهم سيحوا ، أو بدونه وهو الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، والمقصود الإباحة والاعلام بحصول الامان من القتل والقتال في المدة المضروبة ، وذلك ليتفكروا ويحتاطوا ويستعدوا بما شاءوا ويعلموا أن ليس لهم بعد إلا الإسلام أو السيف ولعل ذلك يحملهم على الاسلام ، ولأن المسلمين لو قاتلوهم عقيب إظهار النقض فربما نسبوا إلى الخيانة فامهلوا سداً لباب الظن وإظهاراً لقوة شوكتهم وعدم اكتراثهم بهم وباستعدادهم ، وللمبالغة في ذلك اختيرت صيغة الأمر دون فلكم أن تسيحوا ، والفاء لترتيب الأمر بالسياحة وما يعقبه على ما يؤذن به البراءة المذكورة من الحرب على أن الأول مترتب على نفسه للثاني بكلا متعلقيه على عنوان كونه من الله العزيز جل شأنه ، كأنه قيل : هذه براءة موجبة لقتالكم فاسعوا في تحصيل ما ينجيكم وإعداد ما يجديكم { أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم عند الزهري لأن الآية نزلت في الشهر الأول ، وقيل : إنها وإن نزلت فيه إلا ان قراءتها على الكفار وتبليغها إليهم كان يوم الحج الأكبر فابتداء المدة عاشر ذي الحجة إلى انقضاء عشر شهر ربيع الآخر ، وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه . ومجاهد . ومحمد بن كعب القرظي .
وقيل : ابتداء تلك المدة يوم النحر لعشر من ذي القعدة إلى انقضاء عشر من شهر ربيع الأول ، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسىء الذي كان فيهم ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وهي حجة الوداع التي قال فيها صلى الله عليه وسلم : «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والآرض » وإلى ذلك ذهب الجبائي ، واستصوب بعض الأفاضل الثاني وادعى أن الأكثر عله ، روي من عدة أخبار متداخلة بعضها في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشاً عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ودخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فدخل بنو بكر في عهد قريش ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منها وأعانتهم قريش بالسلاح فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم خرج عمرو الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانشد :
لاهم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيه الا تلدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا *** ثمت أسلمنا ولم ننزع يد
فانصر هداك الله نصراً أعتدا *** وادعو عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا *** إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا *** أن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا مبثاقك المؤكدا *** وجعلوا لي من كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا *** وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالحطيم جهدا *** وقتلونا ركعا وسجدا
فقال عليه الصلاة والسلام : «لا نصرت إن لم أنصرك » ثم تجهز إلى مكة ففتحها سنة ثمان من الهجرة فلما كانت سنة تسع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج فقال : إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة فبعث عليه الصلاة والسلام تلك السنة أبا بكر رضي الله تعالى عنه أميراً على الناس ليقيم لهم الحج وكتب له سننه ثم بعث بعده علياً كرم الله تعالى وجهه على ناقته العضباء ليقرأ على أهل الموسم صدر براءة فلما دناه علي كرم الله تعالى وجهه سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال : هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لحقه قال : أمير أو مأمور ؟ قال : مأمور فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم وقام علي كرم الله تعالى وجهه يوم النحر عند جمرة العقبة فقال : أيها الناس إني رسول الله تعالى إليكم فقالوا : بماذا ؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية من السورة ثم قال : أمرت بأربع أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده ، واختلفت الروايات في أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه هل كان مأموراً أو لا بالقراءة أم لا والأكثر على أنه كان مأموراً وأن علياً كرم الله تعالى وجهه لما لحقه رضي الله تعالى عنه أخذ منه ما أمر بقراءته ، وجاء في رواية ابن حبان . وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه حين أخذ منه ذلك أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخله من ذلك محافة أن يكون قد أنزل فيه شيء فلما أتاه قال : مالي يا رسول الله ؟ قال : خير أنت أخي وصاحبي في الغار وأنت معي على الحوض غير أنه لا يبلغ عني غيري أو رجل مني .
/ وجاء من رواية أحمد . والترمذي وحسنه . وأبو الشيخ ، وغيرهم عن أنس قال : «بعث النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه ثم دعاه فقال : لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي فدعا علياً كرم الله تعالى وجهه فاعطاه اياه »
وهذا ظاهر في أن علياً لم يأخذ ذلك من أبي بكر في الطريق وأكثر الروايات على خلافه ، وجاء في بعضها ما هو ظاهر في عدم عزل أبي بكر رضي الله تعالى عنه عن الأمر بل ضم إليه علي كرم الله تعالى وجهه . فقد أخرج الترمذي وحسنه . والبيهقي في الدلائل . وابن أبي حاتم . والحاكم وصححه عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ثم أتبعه علياً وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات فحجا فقام علي رضي الله تعالى عنه في أيام التشريق فنادى أن الله برىء من المشركين ورسوله فسيحوا في الآرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن فكان علي كرم الله تعالى وجهه ينادي فإذا أعيا قام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فنادى بها » وأيا ما كان ليس في شيء من الروايات ما يدل على أن علياً رضي الله تعالى عنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يبلغ عني غيري أو رجل مني سواى كان بوجي أم لا " جار على عادة العرب أن لا تولى تقرير العهد ونقضه إلا رجل من الأقارب لتنقطع الحجة بالكلية ، فالتبليغ المنفى ليس عاماً كما يرشد إلى ذلك حديث أحمد . والترمذي .
وكيف يمكن إرادة العموم وقد بلغ عنه صلى الله عليه وسلم كثيراً من الأحكام الشرعية في حياته وبعد وفاته كثير ممن لم يكن من أقاربه صلى الله عليه وسلم كعلي كرم الله تعالى وجهه ومنهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه فانه في تلك السنة حج بالناس وعلمهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن الحج وما يلزم فيه وهو أحد الأمور الخمسة التي بنى الإسلام عليها ، على أن من أنصف من نفسه علم أن في نصب أبي بكر رضي الله تعالى عنه لإقامة مثل هذا الركن العظيم من الدين على ما يشعر به قوله سبحانه : { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } [ آل عمران : 97 ] الآية إشارة إلى أنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة شعائر دينه لا سيما وقد أيد ذلك بإقامته مقامه عليه الصلاة والسلام في الصلاة بالناس في آخر أمره عليه الصلاة والسلام وهي العماد الأعظم والركن الأقوم لدينه عليه الصلاة والسلام في الصلاة بالناس ، والقول بأنه رضي الله تعالى عنه عزل في المسألتين كما يزعمه بعض الشيعة لا أصل له وعلى المدعى البيان ودونه الشم الراسيات .
وبالجملة دلالة «لا ينبغي » الخ على الخلافة مما لا ينبغي القول بها ، وقصارى ما في الخبر الدلالة على فضل الأمير كرم الله تعالى وجهه وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمن لا ينكر ذلك لكنه بمعزل عن اقتضائه التقدم بالخلافة على الصديق رضي الله تعالى عنه . وقد ذكر بعض أهل السنة نكتة في نصب أبي بكر أميراً للناس في حجهم ونصب الأمير كرم الله تعالى وجهه مبلغا نقض العهد في ذلك المحفل وهي أن الصديق رضي الله تعالى عنه لما كان مظهراً لصفة الرحمة والجمال كمال يرشد إليه ما تقدم في حديث الاسراء وما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم أرحم أمتي بأمتي أبو بكر أحال إليه عليه الصلاة والسلام أمر المسلمين الذين هم مورد الرحمة ، ولما كان علي كرم الله تعالى وجهه الذي هو أسد الله مظهر جلاله فوض إليه نقض عهد الكافرين الذي هو من آثار الجلال وصفات القهر فكانا كعينين فوارتين يفور من احداهما صفة الجمال ومن الأخرى صفة الجلال في ذلك المجمع العظيم الذي كان انموذجا للحشر ومورداً للمسلم والكافر انتهى . ولا يخفى حسنه لو لم يكن في البين تعليل النبي صلى الله عليه وسلم .
/ وجعل المدة أربعة أشهر قيل لأنها ثلث السنة والثلث كثير ، ونصب العدد على الظرفية لسيحوا أي فسيحوا في أقطار الآرض في أربعة أشهر { واعلموا أَنَّكُمْ } لسياحتكم تلك { غَيْرُ مُعْجِزِي الله } لا تفوتونه سبحانه بالهرب والتحصن { وَأَنَّ الله مُخْزِى * الكافرين } في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالعذاب المهين ، وأظهر الاسم الجليل لتربية المهابة وتهويل أمر الاخزاء وهو الاذلال بما فيه فضيحة وعار ، والمراد من الكافرين اما المشركون المخاطبون فيما تقدم والعدول عن مخزيكم إلى ذلك لذمهم بالكفر بعد وصفهم بالاشراك وللاشعار بأن علة الاخزاء هي كفرهم واما الجنس الشامل لهم ولغيرهم ويدخل فيه المخاطبون دخولاً أولياً .
وقوله - تعالى - { فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ . . . } بيان للمهلة التي منحها - سبحانه - للمشركين ليدبروا فيها أمرهم .
والسياحة في الأصل : جريان الماء وانبساطه على موجب طبيعته ، ثم استعملت في الضرب في الأرض والاتساع في السير والتجوال . يقال : ساح فلان في الأرض سيحا وسياحة وسيوحا إذا تنقل بين أرجائها كما يشاء .
والخطاب للمؤمنين على تقدير القول . أى : فقولوا أيها المؤمنون للمشركين سيحوا في الأرض أربعة أشهر .
ويجوز أن يكون الخطاب للمشركين أنفسهم الالتفات من الغيبة إلى الضحور ، لقصد تهيئة خطابهم بالوعيد المذكور بعد ذلك في قوله - - سبحانه - { واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله } .
والمقصد بالأمر في قوله : { فَسِيحُواْ } الإِباحة والإِعلام بحصول الأمان لهم فىت لك المدة من أن يقتلوا أو يقاتلوا أو يعتدى عليهم . . .
والمعنى : قولوا أيها المسلمون للمشركين - بعد هذه البراءة منهم ، سيحوا في الأرض ، أى : سيروا فيها مقبلين ومدبرين حيث شئتم وأنتم آمنون في هذه المدة .
وفى التعبير بقوله { فَسِيحُواْ } من الدلالة على كمال التوسعة ، ما ليس في قوله { سيروا } أو ما يشبهه ، لأن لفظ السياحة يدل الا الاتساع في السير والبعد عن المدن ، وعن موضع العمارة .
والحكمة في إعطائهم هذه المدة تمكينهم من النظر في أمر أنفسهم حتى يختاروا ما فيه مصلحتهم ، ويعلموا أنهم ليس أمامهم بعد هذه المدة إلا الإِسلام أو السيف ، ولكى لا نسب إلى المسلمين الغدر وبنذ العهد دون إعلام أو إنذار .
وهذا من سمو تعاليم الإِسلام . تلك التعاليم التي لم تبح لأتباعها أن يأخذوا أعدى أعدائكم على غرة ، بل منحت هؤلاء الأعداء مهلة كافية يدبرون فيها أمر أنفسهم وهم آمنون من أن يتعرض لهم أحد من المسلمين بأذى .
ومتى كان ذلك ؟ كان ذلك في الوقت الذي نقض فيه المشركون عهودهم عند أول بادرة لاحت لهم ، وفى الوقت الذي أرجف فيه المرجفون أن المسلمين لن يعودوا من تبوك سالمين ، بل إن الروم سيأخذونهم أسرى ، وفى الوقت الذي كانت المجتمعات فيه يغزو بعضها بعضا بدون إنذار أو إعلام . .
فإن قيل : وما الحكمة في تقدير هذه المهلة بأربعة أشهر ؟
فالجواب - كما يقول الجمل - اقتصر على الأربعة - هنا لقوة المسلمين إذ ذاك ، بخلاف صلح الحديبية فإنه كان لمدة عشرة سنين لضعف المسلمين إذا ذاك ، والحاصل أن المقرر في الفروع أنه إذا كان بالمسلمين ضعف جاز عقد الهدنة عشر سنين فأقل ، وإذا لم يكن بهم ضعف لم تجز الزيادة على أربعة أشهر .
وقال بعض العلماء : ولعل الحكة في تقدير تلك المدة بأربعة أشهر ، أنها هي المدة التي كانت تكفى - إذ ذاك بحسب ما يألفون - لتحقيق ما أبيح لهم من السياحة في الأرض ، والتقلب في شبه الجزيرة على وجه يمكنهم من التشاور والأخذ والرد مع كل من يريدون أخذ رأيه في تكوين الرأى الأخير ، وفيه فوق ذلك مسايرة للوضع الإلهى في جعل الأشهر الحرم من شهور السنة أربعة .
على أنا نجد في القرآن جعل الأربعة أمدا في غير هذا فمدة إيلاء الرجل من زوجه أربعة أشهر - وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر .
ولعل ذلك - وراء ما يعلم الله - أنها المدة التي تكفى بحسب طبيعة الإِنسان لتقليب وجوه النظر فيما يحتاج إلى النظر ، وتبدل الأحوال على وجه تستقر فيه إلى ما يقصد فيه .
ويؤخذ من تقرير الهدنة للأعداء في هذا المقام تقرر مبدأ الهدنة والصلح في الإِسلام ، طلبها العدو أم تقدم بها المسلمون ، وأصل ذلك مع هدنة المشركين هذه قوله - تعالى - في سورة الأنفال { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } وأن مدتها تكون على حسب ما يرى الإِمام وأرباب الشورى المقررة في قوله - تعالى - { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر } وقد اختلف المفسرون في ابتداء هذه الأشهر الأربعة فقال مجاهد والسدى وغيرهما : كان ابتداء هذه الأشهر الأربعة يوم الحج الأكبر من السنة التاسعة ونهايتها في العاشر من شهر ربيع الآخر من السنة العاشرة ، وذلك لأن المشركين قد أعلموا بهذه الملهلة يوم النحر من السنة التاسعة على لسان على بن أبى طالب - كما سبق أن بينا .
وقيل كان ابتداء هذه الأشهر الأربعة يوم النحر لعشر من ذى القعدة من السنة التاسعة ونهايتها في اليوم العاشر من شهر ربيع الأول من السنة العاشرة ، وذلك لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسئ الذي ابتدعه المشركون .
والرأى الأول أرجح وعليه الأكثرون ، لأن معظم الآثار تؤيده . وكذلك اختلف المفسرون اختلافاً كبيرا فيمن تنطبق عليهم هذه المهلة ، فقال مجاهد ، هذا تأجيل للمشركين مطلقاً ، فمن كان مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفع إليها ، ومن كانت أكثر حط إليها ، ومن كان عهده بغير أجل حد بها . ثم هو بعد ذلك حرب لله ولرسوله ، يقتل حيث أدرك ، ويؤسر ، إلا أن يتوب ويؤمن .
وقال آخرون : كانت هذه الأربعة الأشهر مهلة لمن له عهد دون الأربعة الأشهر ، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كانت هذها لمدة لقوله - تعالى - بعد ذلك : { فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ } .
وهذا القول قد اختاره ابن جرير وغيره ، فقد قال ابن جرير - بعد أن ذكر عدة اقوال في ذلك :
" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : الأجل الذي جعله الله إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته ، فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ، ولم يظاهروا عليه ، فإن الله - تعالى - أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله : { إِلاَّ الذين عَاهَدتُّم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } ، ثم قال : وبعد ففى الأخبار المتظاهرة " عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه حين بعث عليا ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم أمره فيما أمره أن ينادى به فيهم " ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته " وهو أوضح دليل على صحة ما قلنا .
وذلك أن الله لم يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل ، فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه ، وأنه لما أجل أربعةأشهر من كان قد نقض عهده قبل التأجيل ، أو كان له عهد إلى أجل غير محدود ، فأما من كان أجل عهده محدودا ، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بإتام عهده إلى غاية اجله مأمورا ، وبذلك بعث مناديه في أهل الموسم من العرب . .
والذى يبدو لنا بعد مراجعة الأقوال المتعددة في شأن من تنطبق عليهم هذه المهلة من المشركين - أن ما اختاره ابن جرير هو خير الأقوال وأقواها ، لأن النصوص من الكتاب والسنة تؤيده .
ومن أراد معرفة هذه الأقوال بالتفصيل فليراجع ما كتبه المفسرون في ذلك .
ثم بين - سبحانه - أن هذا الإِمهال للمشركين لن ينجيهم من إنزال العقوبة بهم متى استمروا على كفرهم فقال - تعالى - : { واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَأَنَّ الله مُخْزِي الكافرين } .
أى : واعلموا - أيها المشركون - أنكم بسياحتكم في الأرض خلال تلك المهلة لن تعجزوا الله - تعالى - في طلبكم ، فأنتم حيثنا كنتم تحت سلطانه وقدرته ، واعلموا كذلك أنه - سبحانه - مذل للكافرين ، في الدنيا بالقتل والأسر ، وفى الآخرة بالعذاب المهين .
فالآية الكريمة قد ذيلت بما يزلزل قلوب المشركين بالحقيقة الواقعة ، وهى أن ذلك الإِمهال لهم ، وتلك السياحة في الأرض منهم ، كل هذا لن يجعلهم في مأمن من عقاب الله ، ومن إنزال الهزيمة بهم ، لأنهم في قبضته .
ومها أعدوا خلال تلك المهلة من عدد وعدد لقتال المؤمنين ، فإن ذلك لن ينفعهم ، لأن سنته - سبحانه - قد اقتضت أن يجعل النصر والفوز للمؤمنين والخزى والسوء على الكافرين .
قال الفخر الرازى ما ملخصه ، وقوله : { واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله } . المقصود منه : أنى أمهلتكم - أيها المشكرون - وأطلقت لكم السياحة في الأرض - فافعلوا كل ما أمكنكم فعله من إعداد الآلات والأدوات ، فإنكم لا تعجزون الله بل هو الذي يعجزكم ، لأنكم حيث كنتم فأنتم في ملكه وتحت سلطانه .