ثم يأتي الإيقاع الأخير في السورة . . لحظة الموت . . اللمسة التي ترجف لها الأوصال . واللحظة التي تنهي كل جدال . واللحظة التي يقف فيها الحي بين نهاية طريق وبداية طريق . حيث لا يملك الرجوع ولا يملك النكوص :
( أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ? وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون . فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون . ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون . فلولا إن كنتم غير مدينين . ترجعونها إن كنتم صادقين ) . .
أفأنتم شاكون في هذا الحديث الذي يقال لكم عن النشأة الآخرة ؛ مكذبون بالقرآن وما يقصه عليكم من شأن الآخرة ، وما يقرره لكم من أمور العقيدة ?
{ أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } أتعرضون ! فبهذا القرآن الذي ذكرت نعوته الجليلة أنتم متهاونون ! كمن يدهن في الأمر ؛ أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به . والإدهان في الأصل : جعل الأديم ونحوه مدهونا بشيء من الدهن ليلين ؛ ثم صار حقيقة عرفية في المداراة والملاينة . ثم تجوز به هنا عن التهاون ؛ لأن المتهاون في الأمر يلين جانبه ولا يتصلب فيه . أو أنتم مكذبون إذ التكذيب من فروع التهاون . أو المنافقون . والمدهن : المنافق يلين جانبه ليخفى كفره ؛ فهو شيبه بالدهن في سهولة ظاهره .
{ أفبهذا الحديث } : أي القرآن .
{ أنتم مدهنون } : أي تلينون القول للمكذبين به ممالأة منكم لهم على التكذيب به والكفر .
وقوله تعالى { أفبهذا الحديث } أي القرآن أنتم مدهنون تُلينون القول للمكذبين به ممالأة منكم لهم على التكذيب به والكفر .
حرمة المداهنة في دين الله تعالى وهي أن يتنازل عن شيء من الدين ليحفظ شيئا من دنياه والمداراة جائزة وهي أن تنازل عن شيء من دنياه ليحفظ شيئاً من دينه .
قوله تعالى : { أفبهذا الحديث } يعني القرآن ، { أنتم } ، يا أهل مكة ، { مدهنون } قال ابن عباس : مكذبون . وقال مقاتل بن حيان : كافرون ، نظيره : { ودوا لو تدهن فيدهنون }( القلم- 9 ) ، والمدهن والمداهن : الكذاب والمنافق ، وهو من الإدهان ، وهو الجري في الباطن على خلاف الظاهر ، هذا أصله ، ثم قيل للمكذب : مدهن ، وإن صرح بالتكذيب والكفر .
قوله تعالى : " أفبهذا الحديث " يعني القرآن " أنتم مدهنون " أي مكذبون ، قال ابن عباس وعطاء وغيرهما . والمدهن الذي ظاهره خلاف باطنه ، كأنه شبه بالدهن في سهولة ظاهر . وقال مقاتل بن سليمان وقتادة : مدهنون كافرون ، نظيره : " ودوا لو تدهن فيدهنون{[14678]} " [ القلم : 9 ] . وقال المؤرج : المدهن المنافق أو الكافر الذي يلين جانبه ليخفي كفره ، والإدهان والمداهنة التكذيب والكفر النفاق ، وأصله اللين ، وأن يسر خلاف ما يظهر ، وقال أبو قيس بن الأسلت :
الحزمُ والقوةُ خيرٌ من ال***إدهان والفَهَّة والهَاعِ{[14679]}
وأدهن وداهن واحد . وقال قوم : داهنت بمعنى واريت وأدهنت بمعنى غششت . وقال الضحاك : " مدهنون " معرضون . مجاهد : ممالئون الكفار على الكفر به . ابن كيسان : المدهن الذي لا يعقل ما حق الله عليه ويدفعه بالعلل . وقال بعض اللغويين : مدهنون تاركون للجزم في قبول القرآن .
قوله : { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } الاستفهام للإنكار ، ومدهنون أي متهاونون . والمعنى : أبهذا القرآن العظيم المعجز تتهاونون ، فما ينبغي لكم أن تتساهلوا في كلام الله فإنه الكلام الكريم المشتمل على معاني الحق والفضيلة ، وأصول العلم واليقين من العقيدة والحكمة والتشريع ، ومدهنون من المداهنة وهي إظهار خلاف ما يضمر . ودهن ، بمعنى نافق{[4451]} .