( لو نشاء جعلناه أجاجا ) . مالحا لا يستساغ ، ولا ينشئ حياة . فهلا يشكرون فضل الله الذي أجرى مشيئته بما كان ?
والمخاطبون ابتداء بهذا القرآن كان الماء النازل من السحائب ، في صورته المباشرة ، مادة حياتهم ، وموضع احتفالهم ، والحديث الذي يهز نفوسهم ، وقد خلدته قصائدهم وأشعارهم . . ولم تنقص قيمة الماء بتقدم الإنسان الحضاري ، بل لعلها تضاعفت . والذين يشتغلون بالعلم ويحاولون تفسير نشأة الماء الأولى أشد شعورا بقيمة هذا الحدث من سواهم . فهو مادة اهتمام للبدائي في الصحراء ، وللعالم المشتغل بالأبحاث سواء .
70- { لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ } .
لو نشاء جعلنا الماء العذب الفرات السائغ للشرب ، ملحا أجاجا تعافه النفس ، ولا يصلح لغرض من أغراض المعيشة ، كالطبخ أو سقي الزرع أو الري .
فهلا شكرتم ربكم ، واعترفتم بفضله في حياتكم ، وتسخير الحرث والزرع ، وتسخير الماء العذب الفرات لكم . وهلا اعترفتم له بالقدرة على إحياء الموتى ، وإخراجهم من قبورهم للبعث والحساب والجزاء .
" لو نشاء جعلناه أجاجا " أي ملحا شديد الملوحة ، قاله ابن عباس . الحسن : مرًّا قُعَاعًا{[14670]} لا تنتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما . " فلولا تشكرون " أي فهلا تشكرون الذي صنع ذلك بكم .
قوله : { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي لو أردنا أن نجعله ملحا زعاقا لجعلناه وحينئذ لا يصلح لشرب ولا زرع .
قوله : { فلولا تشكرون } لولا ، أداة تحضيض . يعني شكرتم الله على ما أنعم به عليكم من خيرات الأرض وبركات السماء ، إذ أنبت لكم من الأرض الزرع وأنزل إليكم من السماء ماء نقيا طهورا تشربونه وتسقون منه زرعكم .