تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (24)

مثل الفريقين : الكافرين والمؤمنين : الكافرين كالأعمى الذي يسير على غيرِ هدى ، والأصمِ الذي لا يسمع ما يُرشده إلى النجاة ؛ والمؤمنين ، كالمبصِر يرى طريقَ الخير ، وقويِّ السمعِ الذي يسمع كل ما ينفعه .

هل يستوي هذانِ الفريقان في الحال والمآل ؟ أفلا تتفكرون أيها الناس فيما بين الباطل والحق من خلاف فتعتبروا به ، وتسيروا على الصراط المستقيم !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (24)

{ مَثَلُ الفريقين } المذكورين من المؤمنين والكفار أي حالهما العجيب ، وأصل المثل كالمثل النظير ، ثم استعير لقول شبه مضربه بمورده ولا يكون إلا لما فيه غرابة وصار في ذلك حقيقة عرفية ، ومن هنا يستعار للقصة والحال والصفة العجيبة .

{ كالاعمى والاصم والبصير والسميع } أي كحال من جمع بين العمى والصمم ، ومن جمع بين البصر والسمع فهناك تشبيهان : الأول تشبيه حال الكفرة الموصوفين بالتعامي والتصام عن آيات الله تعالى بحال من خلق أعمى أصم لا تنفعه عبارة ولا إشارة ، والثاني تشبيه حال الذين آمنوا وعملوا الصالحات فانتفعوا بأسماعهم وأبصارهم اهتداءاً إلى الجنة وانكفاءاً عما كانوا خابطين فيه من ضلال الكفر والدجنة بحال من هو بصير سميع يستضيء بالأنوار في الظلام ويستفيء بمغانم الأنذار والأبشار فوزاً بالمرام ، والعطف لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذوات كما في قوله :

يا لهف زيابة للحرث الص *** ابح فالغانم فالآيب

ويحتمل أن يكون هناك أربع تشبيهات بأن يعتبر تشبيه حال كل من الفريقين . الفريق الكافر . والفريق المؤمن بحال اثنين أي مثل الفريق الكافر كالأعمى ومثله أيضاً كالأصم ، ومثل الفريق المؤمن كالبصير ومثله أيضاً كالسميع ، وقد يعتبر تنويع كل من الفريقين إلى نوعين فيشبه نوع من الكفاربالأعمى . ونوع منهم بالأصم ويشبه نوع من المؤمنين بالبصير . ونوع منهم بالسميع ، واستبعد ذلك إذ تقسيم الكفار إلى مشبه بالأول ومشبه بالثاني وكذلك المؤمنون غير مقصود البتة بدليل نظائره في الآيات الأخر كقوله سبحانه : { وَمَا يَسْتَوِى الاعمى * والبصير } [ فاطر : 19 ] وكقوله تعالى : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } [ البقرة : 7 ] في الكفار الخلص ، وقوله تبارك وتعالى : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } [ البقرة : 18 ] في المنافقين ، وللآية على احتمالاتها شبه في الجملة بقول أمرىء القيس :

كأن قلوب الطير رطباً ويابسا *** لدى وكرها العناب والحشف البالي

فتدبره ، وقد يعتبر التشبيه تمثيلياً بأن ينتزع من حال الفريق الأول في تصامهم وتعاميهم المذكورين ووقوعهم بسبب ذلك في العذاب المضاعف والخسران الذي لا خسران فوقه هيئة منتزعة ممن فقد مشعري البصر . والسمع فتخطب في مسلكه فوقع في مهاوي الردي ولم يجد إلى مقصده سبيلاً ، وينتزع من حال الفريق الثاني في استعمال مشاعرهم في آيات الله تعالى حسبما ينبغي وفوزهم بدار الخلود هيئة تشبه بهيئة منتزعة ممن له بصر وسمع يستعملهما في مهماته فيهتدي إلى سبيله وينال مرامه ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر . ولعل أظهر الاحتمالات ما أشير إليه أولاً ، والكلام من باب اللف والنشر ، واللف إما تقديري إن اعتبر في الفريقين لأنه في قوة الكافرين والمؤمنين ، أو تحقيقي إن اعتبر فيما دل عليه قوله تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى } [ هود : 18 ] الخ ، وقوله سبحانه : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ } [ هود : 23 ] الآية ، وأمر النشر ظاهر ، ولا يخفى ما فيه من الطباق بين الأعمى والبصير وبين الأصم والسميع ، وقدم ما للكافرين قيل : مراعاة لما تقدم ولأن السياق لبيان حالهم ، وقدم الأعمى على الأصم لكونه أظهر وأشهر في سوء الحال منه .

وفي البحر إنما لم يجيء التركيب كالأعمى والبصير . والأصم والسميع ليكون كل من المتقابلين على إثر مقابله لأنه تعالى لما ذكر انسداد العين أتبعه بانسداد السمع ، ولما ذكر انفتاح البصر أتبعه بانفتاح السمع وذلك هو الأسلوب في المقابلة والأتم في الاعجاز ، وسيأتي إن شاء الله تعالى نظير ذلك في قوله سبحانه : { إِنَّ لَكَ * أَن لا *تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى * وَإنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تضحى } [ طه : 118 ، 119 ] ثم الظاهر مما تقدم أن الكلام على حذف مضاف وهو مجرور بالكاف ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً عن مثل .

وجوز أن تكون الكاف نفسها خبر المبتدأ ويكون معناها معنى المثل ، ولا حاجة إلى تقدير مضاف أي مثل الفريقين مثل الأعمى والأصم والبصير والسميع { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } يعني الفريقين المذكورين ، والاستفهام إنكاري مذكر على ما قيل : لما سبق من إنكار المماثلة في قوله سبحانه : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } [ هود : 17 ] الخ { مَثَلاً } أي حالا وصفة ونصبه على التمييز المحول عن الفاعل ، والأصل هل يستوي مثلهما .

وجوز ابن عطية أن يكون حالا ، وفيه بعد { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي أتشكون في عدم الاستوار وما بينهما من التباين أو تغفلون عنه فلا تتذكرونه بالتأمل فيما ذكر لكم من المثل ، فالهمزة للاستفهام الإنكاري وهو وارد على المعطوفين معاً أو أتسمعون هذا فلا تتذكرون فيكون الإنكار وارداً على عدم التذكر بعد تحقق ما يوجب وجوده وهو المثل المضروب أي أفلا تفعلون التذكر ، أو أفلا تعقلون ، ومعنى إنكار عدم التذكر استبعاده من المخاطبين وأنه مما لا يصح أن يقع ، وليس من قبيل الإنكار في { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } [ هود : 17 ] و { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } فإن ذلك لنفي المماثلة ونفي الاستواء ،

( ومن باب الإشارة ) : { مَثَلُ الفريقين كالاعمى والاصم والبصير والسميع } قيل : { البصير } من عاين ما يراد به وما يجري له وعليه في جميع أوقاته { والسميع } من يسمع ما يخاطب به من تقريع وتأديب وحث وندب لا يغفل عن الخطاب في حال من الأحوال ، وقيل : { البصير } الناظر إلى الأشياء بعين الحق فلا ينكر شيئاً ولا يتعجب من شيء { والسميع } من يسمع من الحق فيميز الإلهام من الوسواس ، وقيل : { البصير } هو الذي يشهد أفعاله بعلم اليقين وصفاته بعين اليقين وذاته بحق اليقين فالغائبات له حضور والمستورات له كشف { والسميع } من يسمع من دواعي العلم شرعاً ، ثم من خواطر التعريف قدراً ، ثم يكاشف بخطاب من الحق سراً ، وقيل : وقيل : { السميع } من لا يسمع إلا كلام حبيبه ، و { البصير } من لا يشاهد إلا أنواره فهو في ضيائها ليلاً ونهاراً ، وإلى هذا يشير قول قائلهم :

ليلي من وجهك شمس الضحى *** وإنما السدفة في الجو

الناس في الظلمة من ليلهم *** ونحن من وجهك في الضو

وفسر كل من الأعمى والأصم بضد ما فسر به { البصير * والسميع } والمراد من قوله سبحانه : { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } [ هود : 24 ] أنهما لا يستويان لما بينهما من التقابل والتباعد إلى حيث لا تتراءى ناراهما ، ثم إنه تعالى ذكر من قصة نوح عليه السلام مع قومه ما فيه إرشاد وتهديد وعظة ما عليها مزيد

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (24)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم ضرب مثلا للمؤمنين والكافرين فقال: {مثل الفريقين} المؤمن والكافر، {كالأعمى} عن الإيمان لا يبصر، {والأصم} عن الإيمان، فلا يسمعه، يعني الكافر، ثم ذكر المؤمن، فقال: {والبصير والسميع} للإيمان، {هل يستويان مثلا}، يقول: هل يستويان في الشبه، فقالوا: لا، فقال: {أفلا تذكرون} أنهما لا يستويان فتعتبروا...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: مثل فريقي الكفر والإيمان كمثل الأعمى الذي لا يرى بعينه شيئا، والأصمّ الذي لا يسمع شيئا، فكذلك فريق الكفر لا يُبصر الحقّ فيتبعه ويعمل به، لشغله بكفره بالله وغَلَبة خِذلان الله عليه، لا يسمع داعي الله إلى الرشاد فيجيبه إلى الهدى فيهتدي به، فهو مقيم في ضلالته، يتردّد في حَيرته. والسميع والبصير، فكذلك فريق الإيمان أبصر حُجج الله، وأقرّ بما دلت عليه من توحيد الله والبراءة من الآلهة والأنداد، ونبوّة الأنبياء عليهم السلام، وسمع داعي الله فأجابه وعمل بطاعة الله...

يقول تعالى:"هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً" يقول: هل يستوي هذان الفريقان على اختلاف حالتيهما في أنفسهما عندكم أيها الناس؟ فإنهما لا يستويان عندكم، فكذلك حال الكافر والمؤمن لا يستويان عند الله.

"أفَلا تَذَكّرُونَ "يقول جلّ ثناؤه: أفلا تعتبرون أيها الناس وتتفكرون، فتعلموا حقيقة اختلاف أمريهما، فتنزجروا عما أنتم عليه من الضلال إلى الهدى ومن الكفر إلى الإيمان؟ فالأعمى والأصم والبصير والسميع في اللفظ أربعة، وفي المعنى اثنان، ولذلك قيل: "هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً" وقيل: كالأعمى والأصمّ، والمعنى: كالأعمى الأصمّ، وكذلك قيل: والبصير والسميع، والمعنى: البصير السميع...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

... قوله "هل يستويان مثلا "وإن كان بصورة الاستفهام فهو لضرب من التوبيخ والتقريع. وقوله "أفلا تتفكرون" معناه أفلا تتفكرون في ذلك فتعلموا صحة ما ذكرنا...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن وجه التشبيه هو أنه سبحانه خلق الإنسان مركبا من الجسد ومن النفس، وكما أن للجسد بصرا وسمعا فكذلك حصل لجوهر الروح سمع وبصر، وكما أن الجسد إذا كان أعمى أصم بقي متحيرا لا يهتدي إلى شيء من المصالح، بل يكون كالتائه في حضيض الظلمات لا يبصر نورا يهتدي به ولا يسمع صوتا، فكذلك الجاهل الضال المضل، يكون أعمى وأصم القلب، فيبقى في ظلمات الضلالات حائرا تائها.

ثم قال تعالى: {أفلا تذكرون} منبها على أنه يمكنه علاج هذا العمى وهذا الصمم، وإذا كان العلاج ممكنا من الضرر الحاصل بسبب حصول هذا العمى وهذا الصمم، وجب على العاقل أن يسعى في ذلك العلاج بقدر الإمكان...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما استوفى أوصاف الحزبين وجزاءهم، ضرب للكل مثلاً بقوله: {مثل الفريقين} أي الكافرين والمؤمنين، وهو من باب اللف والنشر المرتب، فإن الكافر ذكر فيما قبل أولاً {كالأعمى} أي العام العمى في بصره وبصيرته {والأصم} في سمعه كذلك، فهذا للكافرين {والبصير} بعينه وقلبه {والسميع} على أتم أحوالهما، وهذا للمؤمنين، وفي أفراد المثل طباق أيضاً {هل يستويان} أي الفريقان {مثلاً} أي من جهة المثل. ولما كان الجواب قطعاً لمن له أدنى تأمل: لا يستويان مثلاً فلا يستويان ممثولاً، حسن تسبب الإنكار عنه في قوله: {أفلا تذكرون} أي يحصل لكم أدنى تذكر بما أشار إليه الإدغام فتعلموا صدق ما وصفوا به بما ترونه من أحوالهم، وذلك ما قدم في حق الكفار من قوله: {ما كانوا يستطيعون السمع}...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} أي مثل الفريقين من الكافرين والمؤمنين اللذين تقدم وصفهما وبيان حالهما في هذه الآيات المبينة لابتلائه تعالى للناس ليظهر أيهم أحسن عملا، والصفة الحسية المطابقة لحالهما كمثل الأعمى الفاقد لحاسة البصر في خلقته، والأصم الفاقد لحاسة السمع كذلك في حرمانه من مصادر العلم والعرفان الإنسانية والحيوانية، ومن هو كامل حاستي البصر والسمع كلتيهما، فهو يستمد العلم من آيات الله في التكوين والتشريع بما يسمع من القرآن وبما يرى من الأكوان، وهما الينبوعان اللذان يفيضان العلم والهدى على عقل الإنسان {هل يستويان مثلا} أي هل يستوي الفريقان صفة وحالا، ومبدأ ومآلا؟ كلا إنهما لا يستويان {أفلا تذكرون} أي أتجهلون أيها المخاطبون هذا المثل الحسي الجلي أو أتغفلون عنه فلا تتذكرون ما بينهما من التباين فتعتبروا به؟ أي يجب أن تتفكروا فتتذكروا فتعتبروا وتهتدوا.

شبه فريق الكافرين أولا بالأعمى في عدم استعمال بصره فيما يفضل به بصر الحيوان الأعجم من فهم آيات الله التي تزيده علما وعقلا وهدى روحيا، ثم شبه بالأصم كذلك بدليل عطفه على الأعمى ليتأمل العاقل كل تشبيه وحده، وأما قوله تعالى في المنافقين {صم بكم عمي} [البقرة: 18] بدون عطف فالمراد به من أول وهلة التهويل بجمعهم للنقائص الثلاث كلها دفعة واحدة فلم يبق في استعدادهم منفذ للهدى، ولذلك عطف عليه بفاء السببية قوله في الآية {فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] وفي الآية {فهم لا يعقلون} [البقرة: 171] من الإيجاز في الآية عطفه هذه الصفات المتقابلة للفريقين، وتركه للسامع والقارئ التوزيع والتفريق بين ما لكل منهما من التشبيهين المتضامنين.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع. هل يستويان مثلا؟).. صورة حسية تتجسم فيها حالة الفريقين. والفريق الأول كالأعمى لا يرى وكالأصم لا يسمع -والذي يعطل حواسه وجوارحه عن الغاية الكبرى منها، وهي أن تكون أدوات موصلة للقلب والعقل، ليدرك ويتدبر فكأنما هو محروم من تلك الجوارح والحواس- والفريق الثاني كالبصير يرى وكالسميع يسمع، فيهديه بصره وسمعه. (هل يستويان مثلا؟)... سؤال بعد الصورة المجسمة لا يحتاج إلى إجابة لأنها إجابة مقررة. (أفلا تذكرون).. فالقضية في وضعها هذا لا تحتاج إلى أكثر من التذكر. فهي بديهية لا تقتضي التفكير.. وتلك وظيفة التصوير الذي يغلب في الأسلوب القرآني في التعبير.. أن ينقل القضايا التي تحتاج لجدل فكري إلى بديهيات مقررة لا تحتاج إلى أكثر من توجيه النظر والتذكير...

.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

شبه حال فريق الكفار في عدم الانتفاع بالنظر في دلائل وحدانية الله الواضحة من مخلوقاته بحال الأعمى، وشبهوا في عدم الانتفاع بأدلة القرآن بحال من هو أصم. وشبه حال فريق المؤمنين في ضد ذلك بحال من كان سليم البصر، سليم السمع فهو في هدى ويقين من مدركاته. وترتيب الحالين المشبه بهما في الذكر على ترتيب ذكر الفريقين فيما تقدم ينبئ بالمراد من كل فريق على طريقة النشر المرتب. والترتيب في اللف والنشر هو الأصل والغالب. وقد علم أن المشبهين بالأعمى والأصم هم الفريق المقول فيهم {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} [هود: 20]...

والوجه عندي في الداعي إلى عطف صفة الأصم} على صفة {الأعمى} أنه ملحوظ فيه أن لفريق الكفار حالين كل حال منهما جدير بتشبيهه بصفة من تينك الصفتين على حدة، فهم يُشبهون الأعمى في عدم الاهتداء إلى الدلائل التي طريق إدراكها البصر، ويُشْبهون الأصم في عدم فهم المواعظ النافعة التي طريق فهمها السمع، فهم في حالتيْن كلُّ حال منهما مشبّه به، ففي قوله تعالى: {كالأعمى والأصم} تشبيهان مُفرقان... والذي في الآية تشبيه معقولين بمحسوسين، واعتبار كل حال من حالي فريق الكفار لا محيد عنه لأن حصول أحد الحالين كاف في جر الضلال إليهم بله اجتماعِهما، إذ المشبّه بهما أمر عدمي فهو في قوة المنفي. وأما الدّاعي إلى العطف في صفتي {البصير والسّميع} بالنسبة لحال فريق المؤمنين فبخلاف ما قررنا في حال فريق الكافرين لأن حال المؤمنين تشبه حالة مجموع صفتي {البصير السميع}، إذ الاهتداء يحصل بمجموع الصفتين فلو ثبتت إحدى الصفتين وانتفت الأخرى لم يحصل الاهتداء إذ الأمران المشبه بهما أمران وجوديان، فهما في قوة الإثبات؛ فتعين أن الكون الداعي إلى عطف {السميع} على {البصير} في تشبيه حال فريق المؤمنين هو المزاوجة في العبارة لتكون العبارة عن حال المؤمنين مماثلة للعبارة عن حال الكافرين في سياق الكلام، والمزاوجةُ من محسنات الكلام ومرجعها إلى فصاحته. وجملة {هل يستويان مثلاً} واقعة موقع البيان للغرض من التشبيه وهو نفي استواء حالهما، ونفي الاستواء كناية عن التفضيل والمفضل منهما معلوم من المقام، أي معلوم تفضيل الفريق الممثل بالسميع والبصير على الفريق الممثل بالأعمى والأصم. والاستفهام إنكاري...

وانتصب {مثلاً} على التمييز، أي من جهة حالهما، والمثل: الحال. والمقصود تنبيه المشركين لما هم فيه من الضلالة لعلهم يتداركون أمرهم فلذلك فرع عليه بالفاء جملةُ {أفلا تذكرون}...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

أما مثلهم في ما توحي به صورتهم في حركة الواقع، فقد عبّرت عنه الآية الكريمة: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ} بما يعكسه الكفر من عمى القلب والروح والشعور، وما يعبّر عنه الإيمان من إشراقة الفكر والعقل والعاطفة، أو بما يمثّله الكفر من صممٍ عن نداء الله، ورفض للاستماع إليه، وما يوحي به الإيمان من انفتاح القلب على كلمات الله في كل قضايا الحياة، {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} لتطّلّعوا على عمق الأفكار والمواقف بنتائجها الإيجابية والسلبية، وما ينتهي إليه أمر الإنسان في عالم الرفض والقبول...