تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (51)

إنهم يطلبون المعجزات الحسية ، أما كفاهم دليلاً على صدقك هذا القرآنُ الذي أنزلناه عليك يُقرأ عليهم ، وهو الآيةُ الخالدة على الزمن ! إن في إنزال هذا الكتاب عليك لرحمةً من الله بهم وبالناس أجمعين ، وتذكرةً دائمة نافعة لمن يؤمن به .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (51)

{ أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ } كلام مستأنف وارد من جهته تعالى رداً على اقتراحهم وبياناً لبطلانه والهمزة للإنكار والنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أقصر ولم يكفهم ءاية مغنية عن سائر الآيات { أنَّا أَنزَلْنَا } { عَلَيْكَ الكتاب } الناطق بالحق المصدق لما بين يديه من الكتب السماوية وأنت بمعزل من مدارستها وممارستها { يتلى عَلَيْهِمْ } تدوم تلاوته عليهم متحدين به فلا يزال معهم ءاية ثابتة لا تزول ولا تضمحل كما تزول كل ءاية بعد كونها ، وقيل : { يتلى عَلَيْهِمْ } أي أهل الكتاب بتحقق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك ، وله وجه ان كان ضمير قالوا فيما تقدم لأهل الكتاب وأما إذا كان لكفار قريش فلا يخفى ما فيه .

{ إِنَّ فِي ذَلِكَ } أي الكتاب العظيم الشأن الباقي على ممر الدهور ، وقيل : الذي هو حجة بينة { لَرَحْمَةً } أي نعمة عظيمة { وذكرى } أي تذكرة { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي همهم الإيمان لا التعنت فالجار والمجرور متعلق بذكرى والفعل مراد به الاستقبال ، ويجوز أن يكون { رَحْمَةً وَذَكَرى } مما تنازعا في الجار والمجرور فيجوز أن يكون الفعل للحال ، وأخرج الفريابي . والدارمي . وأبو داود في مراسيله . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . عن يحيى بن جعدة قال : «جاء ناس من المسلمين بكتف قد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفى بقوم حمقاً أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم فنزلت : { أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب } الآية » وأخرج الإسماعيلي في معجمه . وابن مردويه عن يحيى هذا ما هو قريب مما ذكر مروياً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه .

و { يُؤْمِنُونَ } على هذا على ظاهره لا غير ، وتعقب بأن السياق والسياق مع الكفرة وان الظاهر كون { أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ } الآية جواباً لقولهم : { لَوْلا أُنزِلَ } الخ ، وفي جعل سبب النزول ما ذكر خروج عن ذلك فتأمل .

/ وعليه تكون الآية دليلاً لمن منع تتبع التوراة ونحوها . وروي هذا المنع عن عائشة رضي الله تعالى عنها .

أخرج ابن عساكر عن أبي مليكة قال : أهدى عبد الله بن عامر بن ركن إلى عائشة رضي الله تعالى عنها هدية فظنت أنه عبد الله بن عمرو فردتها وقالت : يتتبع الكتب وقد قال الله تعالى : { أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ } فقيل لها : إنه عبد الله بن عامر فقبلتها » وجاء في عدة أخبار ما يقتضي المنع ، أخرج عبد الرزاق في المصنف .

والبيهقي في شعب الإيمان ، عن الزهري أن حفصة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب من قصص يوسف في كتف فجعلت تقرؤه عليه والنبي عليه الصلاة والسلام يتلون وجهه فقال : والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني ضللتم أنا حظكم من النبيين وأنتم حظى من الأمم .

وأخرج عبد الرزاق . والبيهقي أيضاً عن أبي قلابة «أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مر برجل يقرأ كتاباً فاستمعه ساعة فاستحسنه فقال للرجل : اكتب لي من هذا الكتاب قال : نعم فاشتري أديما فهيأه ثم جاء به إليه فنسخ له في ظهره وبطنه ثم أتي النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرؤه عليه وجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلون فضرب رجل من الأنصار الكتاب وقال : ثكلتك أمك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك : إنما بعثت فاتحاً وخاتماً وأعطيت جوامع الكلم وخواتمه واختصر لي الحديث اختصاراً فلا يهلكنكم المتهوكون » أي الواقعون في كل أمر بغير روية ، وقيل : المتحيرون إلى ذلك من الأخبار ، وحقق بعضهم أن المنع إنما هو عند خوف فساد في الدين وذلك مما لا شبهة فيه في صدر الإسلام ، وعليه تحمل الأخبار ، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (51)

ولما كان المقصود بيان الحق ، ذكر تعالى طريقه ، فقال : { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ } في علمهم بصدقك وصدق ما جئت به { أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } وهذا كلام مختصر جامع ، فيه من الآيات البينات ، والدلالات الباهرات ، شيء كثير ، فإنه كما تقدم إتيان الرسول به بمجرده وهو أمي ، من أكبر الآيات على صدقه .

ثم عجزهم عن معارضته ، وتحديه إياهم{[629]} آية أخرى ، ثم ظهوره ، وبروزه جهرا علانية ، يتلى عليهم ، ويقال : هو من عند اللّه ، قد أظهره الرسول ، وهو في وقت قلَّ فيه أنصاره ، وكثر مخالفوه وأعداؤه ، فلم يخفه ، ولم يثن ذلك عزمه ، بل صرح به على رءوس الأشهاد ، ونادى به بين الحاضر والباد ، بأن هذا كلام ربي ، فهل أحد يقدر على معارضته ، أو ينطق بمباراته أو يستطيع مجاراته ؟ .

ثم إخباره عن قصص الأولين ، وأنباء السابقين{[630]} والغيوب المتقدمة والمتأخرة ، مع مطابقته للواقع .

ثم هيمنته على الكتب المتقدمة ، وتصحيحه للصحيح ، ونَفْيُ ما أدخل فيها من التحريف والتبديل ، ثم هدايته لسواء السبيل ، في أمره ونهيه ، فما أمر بشيء فقال العقل " ليته لم يأمر به " ولا نهى عن شيء فقال العقل : " ليته لم ينه عنه " بل هو مطابق للعدل والميزان ، والحكمة المعقولة لذوي البصائر والعقول [ ثم مسايرة إرشاداته وهدايته وأحكامه لكل حال وكل زمان بحيث لا تصلح الأمور إلا به ]{[631]}

فجميع ذلك يكفي من أراد تصديق الحق ، وعمل على طلب الحق ، فلا كفى اللّه من لم يكفه القرآن ، ولا شفى اللّه من لم يشفه الفرقان ، ومن اهتدى به واكتفى ، فإنه خير له{[632]} فلذلك قال : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } وذلك لما يحصلون فيه من العلم الكثير ، والخير الغزير ، وتزكية القلوب والأرواح ، وتطهير العقائد ، وتكميل الأخلاق ، والفتوحات الإلهية ، والأسرار الربانية .


[629]:- في ب: وتحديهم إياه.
[630]:- في ب: السالفين.
[631]:- زيادة من هامش: ب.
[632]:- في ب: فإنه رحمة له وخير.