اعلم يا محمد ، أن الحق هو ما أعلمك به ربك ، لا ما يضلَّل به أهل الكتاب ، فلا تكن من أهل الشك والتردد . ومن ذلك الحق أمرُ القبلة فامض فيه ، ولا تبال بالمعارضين .
والنهي في هذه الآية كالوعيد في الآية السابقة { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم . . } الخطاب فيه موجه إلى النبي عليه السلام ، والمراد به من كانوا غير راسخي الإيمان من أُمته .
قوله تعالى : " الحق من ربك " يعني استقبال الكعبة ، لا ما أخبرك به اليهود من قبلتهم . وروي عن علي رضي الله عنه أنه قرأ " الحق " منصوبا ب " يعلمون " أي يعلمون الحق . ويصح نصبه على تقدير الزم الحق . والرفع على الابتداء أو على إضمار مبتدأ والتقدير هو الحق ، أو على إضمار فعل ، أي جاءك الحق . قال النحاس : فأما الذي في " الأنبياء " " الحق فهم معرضون{[1294]} " [ الأنبياء : 24 ] فلا نعلم أحدا قرأه إلا منصوبا ، والفرق بينهما أن الذي في سورة " البقرة " مبتدأ آية{[1295]} ، والذي في الأنبياء ليس كذلك .
قوله تعالى : " فلا تكونن من الممترين " أي من الشاكين . والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته . يقال : امترى فلان [ في ] كذا إذا اعترضه اليقين مرة والشك أخرى فدافع إحداهما بالأخرى ، ومنه المراء ؛ لأن كل واحد منهما يشك في قول صاحبه . والامتراء في الشيء الشك فيه ، وكذا التماري . وأنشد الطبري شاهدا على أن الممترين الشاكون قول الأعشى :
تدُِرّ على أسْؤُق الممتري *** ن ركْضاً إذا ما السراب ارْجَحَنَّ
قال ابن عطية : ووهم في هذا ، لأن أبا عبيدة وغيره قال : الممترون في البيت هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزا لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها ، وليس في البيت معنى الشك كما قال الطبري . قلت : معنى الشك فيه موجود ، لأنه يحتمل أن يختبر الفرس صاحبه هل هو على ما عهد من الجري أم لا ، لئلا يكون أصابه شيء ، أو يكون هذا عند أول شرائه فيجريه ليعلم مقدار جربه . قال الجوهري : ومريت الفرس إذا استخرجت ما عنده من الجري بسوط أو غيره . والاسم المرية ( بالكسر ) وقد تضم . ومريت الناقة مريا : إذا مسحت ضرعها لتدر . وأمرت هي إذا در لبنها ، والاسم المرية ( بالكسر ) ، والضم غلط . والمرية : الشك ، وقد تضم ، وقرئ بهما .
وقوله : ( الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) ( الحق ) مبتدأ مرفوع ، وشبه الجملة بعده في محل رفع خبر . وقيل الحق منصوب على المفعولية لفعل محذوف تقديره لزم . الله جلت قدرته يثبت قلب النبي ( ص ) والمسلمين من بعده ويبين لهم أنهم على الحق ، سواء في ذلك استقبال القبلة الجديدة أو الدين العظيم الذي كتبه الله لهم طريق ومنهاجا . إن الله يبين لهم ذلك ؛ ليثبتوا على الحق وليزدادوا إيمانا مع إيمانهم وليظلوا على الدوام مستمسكين بحبل الله المتين ، فلا يحيدوا أو يضلوا ولا يكونوا من ( الممترين ) وهو اسم فاعل من الامتراء ومعناه الشك ، ومنه المرية والتماري . والفعل امترى وتمارى أي شك{[157]} . وفي هذا يحذر الله عباده من الوقوع في الشك فيظلوا مزعزعين مترددين متلجلجين{[158]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.