يعدد الله سبحانه نعمه الكثيرة على هذه الأمة ، فيقول : إن من تمام نعمتي عليكم توجيهكم إلى المسجد الحرام ، بعد أن أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا التي ترشدكم إلى الحق . ويطهر نفوسكم من دنس الشرك ، وسيء الأخلاق ، والعادات التي كانت فاشية في العرب من وأد البنات وسفك الدماء لأتفه الأسباب . ويعلمكم القرآن ، ويبين لكم ما فيه من تشريع وأسرار آلهية ، كما يعلمكم أشياء كثيرة كانت مغيَّبة عنكم .
قوله تعالى : " كما أرسلنا " الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف ، المعنى : ولأتم نعمتي عليكم إتماما مثل ما أرسلنا ، قاله الفراء . قال ابن عطية : وهذا أحسن الأقوال ، أي ولأتم نعمتي عليكم في بيان سنة إبراهيم عليه السلام مثل ما أرسلنا . وقيل : المعنى ولعلكم تهتدون اهتداء مثل ما أرسلنا . وقيل : هي في موضع نصب على الحال ، والمعنى : ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال . والتشبيه واقع على أن النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة ، وأن الذكر المأمور به في عظمه كعظم النعمة . وقيل : معنى الكلام على التقديم والتأخير ، أي فاذكروني كما أرسلنا روي عن علي رضي الله عنه واختاره الزجاج . أي كما أرسلنا فيكم رسولا تعرفونه بالصدق فاذكروني بالتوحيد والتصديق به . والوقف على " تهتدون " على هذا القول جائز . قلت : وهذا اختيار الترمذي الحكيم في كتابه ، أي كما فعلت بكم هذا من المنن التي عددتها عليكم فاذكروني بالشكر أذكركم بالمزيد ، لأن في ذكركم ذلك شكرا لي ، وقد وعدتكم بالمزيد على الشكر ، وهو قوله : " لئن شكرتم لأزيدنكم{[1308]} " [ إبراهيم : 7 ] ، فالكاف في قوله " كما " هنا ، وفي الأنفال " كما أخرجك ربك{[1309]} " [ الأنفال : 5 ] وفي آخر الحجر " كما أنزلنا على المقتسمين " [ الحجر : 90 ] متعلقة بما بعده ، على ما يأتي بيانه{[1310]} .
قوله تعالى : ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) الكاف في قوله كما متعلقة بما قبلها وهي في محل نصب نعت لمصدر ومحذوف تقديره إتماما . وبذلك يكون تقدير المعنى : ولأتم نعمتي عليكم إتماما مثلما أرسلنا فيكم رسولا منكم وقيل : نعت لمصدر محذوف وتقديره اهتداء . أي ولأتم نعمتي عليكم اهتداء مثل ما أرسلنا{[161]} .
وذلك تذكير من الله للمؤمنين بنعمته التي جعلها لهم مثل إرساله محمدا ( ص ) من بينهم هاديا لهم ومرشدا يتلو عليهم آيات الله سبحانه وفيها من الترشيد وخير البيان ما يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وما يطهرهم من دنس الجاهلية الضالة وما فيها من أدران الشرك وأوضار الباطل .
قوله : ( ويعلمكم الكتاب والحكمة ) ( الكتاب ) ، يعني القرآن ( الحكمة ) معناها السنة النبوية ، على الراجح من أقوال العلماء . فإن النبي ( ص ) مخول من ربه بتبيين الكتاب للناس في سنته القولية والعملية ؛ وذلك ليعلموه وليقفوا على حقائقه وتفصيلاته وما انطوى عليه من معان وأحكام وبينات مما لم يكونوا يعلمون من قبله بمثله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.