الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (12)

قوله تعالى : " وسخر لكم الليل والنهار " أي للسكون والأعمال ، كما قال : " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله{[9820]} " [ القصص : 73 ] . " والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره " أي مذللات لمعرفة الأوقات ونضج الثمار والزرع والاهتداء بالنجوم في الظلمات . وقرأ ابن عامر وأهل الشام " والشمس والقمر والنجوم مسخرات " بالرفع على الابتداء والخبر . الباقون بالنصب عطفا على ما قبله . وقرأ حفص عن عاصم برفع " والنجوم " ، " مسخرات " خبره . وقرئ " والشمس والقمر والنجوم " بالنصب . " مسخرات " بالرفع ، وهو خبر ابتداء محذوف أي في مسخرات ، وهي في قراءة من نصبها حال مؤكدة ، كقوله : " وهو الحق مصدقا " {[9821]} [ البقرة : 91 ] . " إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " أي يعقلون عن الله ما نبههم عليه ووفقهم له .


[9820]:راجع ج 13 ص 308.
[9821]:راجع ج 2 ص 29.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (12)

ولما كان ربما قال بعض الضلال : إن هذه الأشياء مستندة إلى تأثير الأفلاك ، نبه على أنها لا تصلح لذلك بكونها متغيرة فلا بد لها من قاهر أثر فيها التغير ، ولا يزال الأمر كذلك إلى أن ينتهي إلى واحد قديم فاعل بالاختيار ، لما تقرر من بطلان التسلسل ، فقال تعالى : { وسخر لكم } أي أيها الناس لإصلاح أحوالكم { الَّيل } للسكنى { والنهار } للابتغاء ؛ ثم ذكر آية النهار فقال تعالى : { والشمس } أي لمنافع اختصها بها ، ثم ذكر آية الليل فقال : { والقمر } لأمور علقها به { والنجوم } أي لآيات نصبها لها ، ثم نبه على تغيرها بقوله : { مسخرات } أي بأنواع التغير لما خلقها له على أوضاع دبرها { بأمره } سبباً لصلاحكم وصلاح ما به قوامكم ، دلالة على وحدانيته وفعله بالاختيار ، ولو شاء لأقام أسباباً غيرها أو أغنى عن الأسباب .

ولما كان أمرها مع كونه محسوساً - ليس فيه من المنافع القريبة الأمر السهلة الملابسة ما يشغل عن الفكر فيه ، لم يحل أمره إلى غير مطلق العقل ، إشارة إلى وضوحه وإن كان لا بد فيه من استعمال القوة المفكرة ، ولأن الآثار العلوية أدل على القدرة الباهرة ، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة ، فقال : { إن في ذلك } أي التسخير العظيم { لآيات } أي كثيرة متعددة عظيمة { لقوم يعقلون } وجمع الآيات لظهور تعدادها بالتحديث عنها مفصلة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (12)

قوله تعالى : { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ( 12 ) وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ( 13 ) } .

الليل والنهار آيتان من آيات الله ، جعلهما متعاقبين خلفه ؛ إذ يخلف أحدهما الآخر . وقد ذللهما الله لبني آدم أيما تذليل لكي يستفيدوا من طبيعتهما وتعاقبهما ؛ فقد جعل الله الليل فيه منام للعباد ؛ إذ يرقدون فيه ويهجعون . وجعل النهار من أجل السعي والكد والبذل في نشاط وجد . ففيه تتحقق المصالح ، وتندرئ المضار ، ويتعهد الناس أسباب المعاش والمكاسب من تجارة وصناعة وزراعة وغير ذلك .

قوله : ( والشمس والقمر ) وهذان كذلك آيتان عظيمتان من آيات الله الكبريات الباهرات مما يستديم العجب من هذين الجرمين في عظيم خلقتهما وعجيب منظرهما ؛ ففي الشمس دفء وحرارة وحياة للآدميين وكل الخلائق . وفي القمر نور وضياء تبتهج به النفس أشد ابتهاج وتجد من حلاوة الصورة والمنظر ما يستنفر في النفس الخيال ويهيج فيها الحس ، فيظل الناظر متمليا محبورا ، فضلا عما يناط بالقمر من مزية التوازن مع الأرض بفعل الجاذبية المشتركة بينهما ، وبفعل الدوران المنتظم للقمر من حول الشمس . ولولا وجود القمر في مكانه المناسب المقدور لاضطراب وجه الأرض وماد .

قوله : ( والنجوم مسخرات بأمره ) الواو للاستئناف . والنجوم ، مبتدأ ، وخبره ( مسخرات ) ؛ أي أن سائر النجوم في حركاتها وسطوعها ودورانها في أفلاكها وكل أحوالها مسخرات لما خلقها الله له . وذلك بقدرته وتدبيره وحكمته سبحانه .

قوله : ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) الإشارة عائدة إلى تسخير ما بينه الله من الخلائق المسخرة ؛ فإن في هذا التسخير لدلالات كبيرة على أن الله هو الخالق الصانع ؛ وأنه المقدر الحكيم . قوله : ( لقوم يعقلون ) أي للمتفكرين أولي النهي والأبصار الذين يتدبرون ما خلق الله من عجيب مخلوقاته .