الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (11)

قوله تعالى : " ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات " قرأ أبو بكر عن عاصم " ننبت " بالنون على التعظيم . العامة بالياء على معنى ينبت الله لكم ، يقال : ينبت الأرض وأنبتت بمعنى ، ونبت البقل وأنبت بمعنى . وأنشد الفراء :

رأيت ذوي الحاجات حولَ بيوتهم*** قَطِينًا بها حتى إذا أنبتَ البَقْلُ

أي نبت . وأنبته الله فهو منبوت ، على غير قياس . وأنبت الغلام نبتت عانته . ونبت الشجر غرسه{[9816]} ، يقال : نبت أجلك بين عينيك . ونبت الصبي تنبيتا ربيته . والمنبت موضع النبات ، يقال : ما أحسن نابتة بني فلان ، أي ما ينبت عليه أموالهم وأولادهم . ونبتت لهم نابتة إذا نشأ لهم نشء صغار . وإن بني فلان لنابتة شر . والنوابت من الأحادث الأغمار . والنبيت حي من اليمن{[9817]} . والينبوت{[9818]} شجر ، كله عن الجوهري . " والزيتون " جمع زيتونة . ويقال للشجرة نفسها : زيتونة ، وللثمرة زيتونة . وقد مضى في سورة " الأنعام " {[9819]} حكم زكاة هذه الثمار فلا معنى للإعادة . " إن في ذلك " أي الإنزال والإنبات . " لآية " أي دلالة " لقوم يتفكرون " .


[9816]:في ج: بنت الشجر غرسته.
[9817]:أبو حي من اليمن واسمه عمرو بن مالك.
[9818]:الذي في القاموس: الينبوت شجر الخشخاش وشجر آخر عظام أو شجر الخروب.
[9819]:راجع ج 7 ص 99 فما بعدها.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (11)

ولما كان الشجر عاماً ، شرع سبحانه يفصله تنويعاً للنعم وتذكيراً بالتفاوت ، إشارة إلى أن الفعل بالاختيار ، فقال مبتدئاً بالأنفع في القوتية والائتدام والتفكه : { ينبت } أي هو سبحانه { لكم } أي خاصة { به } مع كونه واحداً في أرض واحدة { الزرع } الذي تشاهدونه من أقل الشجر مكثاً وأصغره قدراً ، { والزيتون } الذي ترونه من أطول الأشجار عمراً وأعظمها قدراً .

ولما كانت المنافع كثيرة في شجر التمر ، سماه باسمه فقال تعالى : { والنخيل } ولما كانت المنفعة في الكرم بغير ثمرته تافهة ، قال تعالى : { والأعناب } وهما من أوسط ذلك { ومن كل الثمرات } وأما كلها فلا يكون إلا في الجنة ، وهذا الذي في الأرض بعض من ذلك الكل مذكر به ومشوق إليه { إن في ذلك } أي الماء العظيم المحدث عنه وعن فروعه ، أو في إنزاله على الصفة المذكورة { لآية } بينة على أن فاعل ذلك تام القدرة يقدر على الإعادة كما قدر على الابتداء ، وأنه مختار يفعل ذلك في الوقت الذي يريده .

ولما كان ذلك ممن يحس ، وكان شغل الحواس بمنفعته - لقربه وسهولة ملابسته - ربما شغل عن الفكر في المراد به ، فكان التفطن لدلالته يحتاج إلى فضل تأمل ودقة نظر ، قال تعالى : { لقوم يتفكرون * } أي في أن وحدته وكثرة ما يتفرع عنه دليل على وحدة صانعه وفعله بالاختيار ، وأفرد الآية لوحدة المحدث عنه ، وهو الماء - كما قال تعالى في آية

{ تسقى بماء واحد }[ الرعد :4 ] وسيأتي في آية النحل كلام الإمام أبي الحسن الحرالي في هذا .

وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير : هذه السورة في التحامها بسورة الحجر مثل الحجر بسورة إبراهيم من غير فرق ، لما قال تعالى

{ فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون }[ الحجر :92 ] وقال تعالى بعد ذلك في وعيد المستهزئين { فسوف يعلمون } أعقب هذا ببيان تعجيل الأمر فقال تعالى

{ أتى أمر الله فلا تستعجلوه }[ النحل :1 ] وزاد هذا بياناً قوله { سبحانه وتعالى عما يشركون } فنزه سبحانه نفسه عما فاهوا به في استهزائهم وشركهم وعظيم بهتهم ، وأتبع ذلك تنزيهاً وتعظيماً فقال تعالى { خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون } ثم أتبع ذلك بذكر ابتداء خلق الإنسان وضعف جبلته { خلق الإنسان من نطفة } ثم أبلغه تعالى حداً يكون فيه الخصام والمحاجة ، كل ذلك ابتلاء منه واختبار ليميز الخبيث من الطيب ، وأعقب هذا بذكر بعض ألطافه في خلق الأنعام وما جعل فيها من المنافع المختلفة ، وما هو سبحانه عليه من الرأفة والرحمة اللتين بهما أخر العقوبة عن مستوجبها ، وهدى من لم يستحق الهداية بذاته بل كل هداية فبرأفة الخالق ورحمته ، ثم أعقب ما ذكره بعد من خلق الخيل والبغال والحمير وما في ذلك كله بقوله { ولو شاء لهداكم أجمعين } فبين أن كل الواقع من هداية وضلال خلقه وفعله ، وأنه أوجد الكل من واحد ، وابتدأهم ابتداء واحداً { خلق الإنسان من نطفة } فلا بعد في اختلاف غاياتهم بعد ذلك ، فقد أرانا سبحانه مثال هذا الفعل ونظيره في قوله { وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر - إلى قوله : لآية لقوم يتفكرون } انتهى .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (11)

قوله : ( ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ) وهذه أصناف أخرى مضافة يبينها الله في آياته ليمتن بها على عباده ؛ فهو سبحانه ينبت للناس- بما أنزله من مطر- الزرع على اختلاف أنواعه . وقد بدأ به ( الزرع ) ؛ لأنه عماد الأقوات للناس . وهو يستفاد منه الكلأ لتتغذى به الأنعام والدواب . ثم ذكر الزيتون ، هذه الشجرة المباركة التي تؤتي الزيت . وهو نعم الغذاء ونعم الدواء ؛ إذ تستشفي به الأبدان من كثير من العلل والأسقام . ثم النخيل وهو ذو ثمر لذيذ مستطاب . وهو كثيرا ما يقتات به بعض الناس . وكذلك الأعناب ؛ فإنها فاكهة طيبة ومطعوم مستلذ تشتهيه كل الأنفس . قوله : ( ومن كل الثمرات ) ( من ) للتبعيض أي وينبت لكم بعض كل الثمرات . لأن كل الثمرات لا يكون إلا في الجنة . أما في الدنيا : فقد أنبت الله فيها بعضا من أنعمه الكثيرة التي لا يعلم عدد أصنافها وأنواعها إلا هو سبحانه .

قوله : ( إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) أي فيما بينه الله من وجوه النعم والخيرات التي خلقها للعباد لأكبر دليل على تفرد الله تعالى بالإلهية ، وعلى حقيقة الكمال في جلاله العظيم وهو ما تجلى في قدرته البالغة وعلمه المطلق وحكمته العليا ( لقوم يتفكرون ) أي للمتبصرين المدّكرين الذين يتدبرون الآيات ويتفكرون في خلق الله . أما اللاهية قلوبهم وعقولهم عن التبصرة والذكرى ، فلا تتفهم مثل هذه الآيات الواضحات البينات{[2502]} .


[2502]:- روح المعاني جـ7 ص 107 والبحر المحيط حـ 5 ص 478.