قوله تعالى : " وعلى الله قصد السبيل " أي على الله بيان قصد السبيل ، فحذف المضاف وهو البيان . والسبيل : السلام ، أي على الله بيانه بالرسل والحجج والبراهين . وقصد السبيل : استعانة الطريق ، يقال : طريق قاصد أي يؤدي إلى المطلوب . " ومنها جائر " أي ومن السبيل جائر ؛ أي عادل عن الحق فلا يهتدى به ، ومنه قول امرئ القيس :
ومن الطريقة جائر وهُدًى *** قصد السبيل ومنه ذو دَخْل
عَدَوْلِيَةٌ أو من سَفِينِ ابن يامن *** يجورُ بها المَلاَّحُ طوراً ويَهْتَدِي
العدولية سفينة منسوبة إلى عَدَوْلَي قرية بالبحرين . والعدولي : الملاح ، قاله في الصحاح . وفي التنزيل " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل " [ الأنعام : 153 ] وقد تقدم{[9814]} . وقيل : المعنى ومنهم جائر عن سبيل الحق ، أي عادل عنه فلا يهتدى إليه . وفيهم قولان : أحدهما : أنهم أهل الأهواء المختلفة ، قاله ابن عباس . الثاني : ملل الكفر من اليهودية والمجوسية والنصرانية . وفي مصحف عبد الله " ومنكم جائر " وكذا قرأ علي " ومنكم " بالكاف . وقيل : المعنى وعنها جائر ، أي عن السبيل . ف " من " بمعنى عن . وقال ابن عباس : أي من أراد الله أن يهديه سهل له طريق الإيمان ، ومن أراد أن يضله ثقل عليه الإيمان وفروعه . وقيل : معنى " قصد السبيل " مسيركم ورجوعكم . والسبيل واحدة بمعنى الجمع ، ولذلك أنث الكناية فقال : " ومنها " والسبيل مؤنثة في لغة أهل الحجاز .
قوله تعالى : " ولو شاء لهداكم أجمعين " بين أن المشيئة لله تعالى ، وهو يصحح ما ذهب إليه ابن عباس في تأويل الآية ، ويرد على القدرية ومن وافقها كما تقدم .
ولما كانوا في أسفارهم واضطرابهم في المنافع بهذه الحيوانات وغيرها يقصدون أسهل الطرق وأقومها وأوصلها إلى الغرض ، ومن عدل عن ذلك كان عندهم ضالاً سخيف العقل غير مستحق للعد في عداد النبلاء ، نبههم على أن ما تقدم في هذه السورة قد بين الطريق الأقوم الموصل إليه سبحانه بتكفله ببيان أنه واحد قادر عالم مختار ، وأنه هو المنعم ، فوجب اختصاصه بالعبادة ، وأخبرهم سبحانه أنه أوجب هذا البيان على نفسه فضلاً منه فقال تعالى : { وعلى } أي قد بين لكم الطريق الأمم وعلى { الله } أي الذي له الإحاطة بكل الشيء { قصد السبيل } أي بيان الطريق العدل ، وعلى الله بيان الطريق الجائر حتى لا يشك في شيء منهما ، فإن الطريق المعنوية كالحسية ، منها مستقيم من سلكه اهتدى { ومنها جائر } من سلكه ضل عن الوصول فهلك{ وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم }[ التوبة :115 ] الآية{ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً }[ الإسراء : 15 ] فالآية من الاحتباك : ذكر أن عليه بيان القصد أولاً دلالة على حذف أن عليه بيان الجائر ثانياً ، وذكر أن من الطرق الجائر ثانياً دلالة على حذف أن منها المستقيم أولا ، وتعبير الأسلوب لبيان أن المقصود بالذات إنما هو بيان النافع ، ومادة قصد تدور على العدل السواء ، ومنه القصد ، أي الاستقامة ، واستقامة الطريق من غير تعريج ، وضد الإفراط كالاقتصاد ، ورجل ليس بالجسيم ولا بالضئيل ، وذلك لا يكون إلا عن إرادة وتوجه ، فإطلاق القصد على العزم مستقيماً كان أو جائراً ، إذا قلت : قصدته - بمعنى أتيته أو أممته ونويته ، من دلالة الالتزام ، وكذا القصد بمعنى الكسر بأيّ وجه كان ، وقيل : لا يقال : قصد ، إلا إذا كان بالنصف ، والقصيد : ما تم شطر أبياته ، لأن ذلك أعدل حالاته ، قال في القاموس : ثلاثة أبيات فصاعداً أو ستة عشر فصاعداً ؛ وقال الإمام أبو الفتح عثمان بن جني في آخر كتابه المغرب في شرح القوافي : فالبيت على ثلاثة أضرب : قصيد ، ورمل ، ورجز ، فأما القصيد فالطويل التام ، والبسيط التام ، والكامل التام ، والمديد التام ، والوافر التام ، والرجز التام ، والخفيف التام ، وهو كل ما تغنى به الركبان ، ومعنى قولنا : المديد التام والوافر التام . نريد أتم ما جاء منهما في الاستعمال ، أعني الضربين الأولين منهما ، فأما أن يجيئا على أصل وضعهما في دائرتيهما فذلك مرفوض مطّرخ ؛ والقصيد : المخ السمين أو دونه ، والعظم الممخ ، والناقة السمينة بها نفي ، والسمين من الأسنمة - لأن بهذا الحال استقامة كل ما ذكر ، وكذا القاصد : القريب ، وبيننا وبين الماء ليلة قاصدة ، أي هينة السير ، لأنه أقرب إلى الاستقامة ، ومنه قصدت كذا - إذا اعتمدته وأممته وتوجهت إليه سواء كان ذلك عدلاً أو جوراً ، وانقصد الرمح - إذا انكسر على السواء ، كأنه مطاوع قصده ، والواحدة من تلك الكِسَر قصده بالكسر ، ورمح قصد - ككتف : متكسر ، والقصد - بالتحريك : العوسج - لأنه سريع التكسر ، والجوع - لأن الجائع قاصد لما يأكله متوجه إليه ، والقصد : مشرة العضاه تخرج في أيام الخريف لدنة تتثنى في أطراف الأغصان ، وهي خوصة تخرج فيها ، وفي كثير من الشجر في تلك الأيام ، أو هي الأغصان ، أو هي الأغصان الرطبة قبل أن تتلون وتشتد - سميت بذلك لخروجها وتوجهها إلى منظر العين ، أو توجه النظر إليها للسرور بها ، والقصيد : العصا - لأنها تقصد ويقصد بها ، وأقصد السهم : أصاب فقتل مكانه ، وأقصد فلاناً : طعنه فلم يخطئه ، والحية : لدغت فقتلت - يمكن أن يكون ذلك من الاستقامة لأن قصد فاعله القتل ، فكأنه استقام قصده بنفوذه ، ويمكن أن يكون من السلب أي أنه أزال الاستقامة لأن من مات فقد زالت استقامة حياته ، ومنه المقصد كمخرج ، وهو من يمرض ويموت سريعاً ، والقصيد بمعنى اليابس من اللحم - فعيل بمعنى مفعل ، أي أقصد فزالت استقامته بأن هلك جفافاً يبساً .
والصدق ضد الكذب ، وهو من أعدل العدل وأقوم القصد ، والصدق : الشدة ، إذ بها يمتحن الصادق من الكاذب ، ومنه رجل صدق ، أي يصدق ما يعزم عليه أو يقوله بفعله ، فهو شديد العزم سديد الأمر ، والصديق - كأمير : الحبيب الذي يصدق قوله في الحب بفعل ، والمصادقة والصداق - بالكسر : المخالة كالتصادق ، والصيدق - كصيقل : الأمين - لأنه مصدق في قوله ، والملك - لأن محله يقتضي الصدق لعدم حاجته إلى الكذب ، والقطب - لأنه أصدق النجوم دلالة لثباته ، وقال أبو عبد الله القزاز : هو اسم للسها ، وهو النجم الخفي الذي مع بنات نعش ، والصدق - بالفتح : الصلب المستوي من الرماح - لأنه يصدق ظن الطاعن به ، وكذا من الرجال ، والكامل من كل شيء ، ورجل صدق اللقاء والنظر ، ومصداق الشيء : ما يصدقه ، وشجاع ذو مصدق - كمنبر : صادق الحملة ، أي شديدها ، والصدقة - محركة : ما أعطيته في ذات الله لأنها تصدق دعوى الإيمان لدلالتها على شدة العزم فيه ، والصدقة - بضم الدال وسكونها : مهر المرأة لأنه يصدق العزم فيه وكسكيت : الكثير الصدق ، وصدقت الله حديثاً إن لم أفعل كذا - يمين لهم ، أي لا صدقت ، وفعله غب صادقة ، أي بعد ما تبين له الأمر ، وصدقه تصديقاً - ضد كذبه ، والوحشي : عدا ولم يلتفت لما حمل عليه ، والمصدق - كمحدث : آخذ الصدقات ، والمتصدق : معطيها .
ولما كان أكثر الخلق ضالاً ، كان ربما توهم متوهم أنه خارج عن الإرادة ، فنفي هذا التوهم بقوله - عطفاً على ما تقديره : فمن شاء هداه قصد السبيل ، ومن شاء أسلكه الجائر ، وهو قادر على ما يريد من الهداية والإضلال - : { ولو شاء } هدايتكم { لهداكم أجمعين * } بخلق الهداية في قلوبكم بعد بيان الطريق القصد ، ولكنه لم يشأ ذلك فجعلكم قسمين .
قوله : ( وعلى الله قصد السبيل ) القصد ، مصدر قصد يقصد . وهو الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه . أو هو استقامة الطريق ، أو الرشد{[2499]} وأل ، في ( السبيل ) للعهد ، وهي سبيل الشرع وليست للجنس . والمعنى : وعلى الله تبيين طريق الهدى وذلك بنصب الأدلة وبعث المرسلين هداة للعالمين . وقال ابن عباس : معناه بيان قصد السبيل ؛ أي بيان الهدى من الضلال .
قوله : ( ومنها جائر ) الضمير عائد على السبيل ؛ أي ومن السبيل جائر ، يعني عادل من المحجة ، منحرف عن الحق . وقيل : المراد بذلك فِرق الضلال من أمة محمد ( ص ) ؛ فإنه جائر عن قصد السبيل .
قوله : ( ولو شاء لهداكم أجمعين ) أي لهداكم قسرا وإلجاء ؛ فالله قادر على فعل ما يشاء من هداية أو إضلال . وهو سبحانه لا يهدي أو يضل إلا لحكمة لا يعلمها إلا هو{[2500]} .