الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ} (13)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " وما ذرأ " أي وسخر ما ذرأ في الأرض لكم . " ذرأ " أي خلق ؛ ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا خلقهم ، فهو ذارئ ، ومنه الذرية وهي نسل الثقلين ، إلا أن العرب تركت همزها ، والجمع الذراري . يقال : أنمى الله ذرأك وذروك ، أي ذريتك . وأصل الذرو والذرء التفريق عن جمع . وفي الحديث{[9822]} : ذرء النار ، أي أنهم خلقوا لها .

الثانية : ما ذرأه الله سبحانه منه مسخر مذلل كالدواب والأنعام والأشجار وغيرها ، ومنه غير ذلك . والدليل عليه ما رواه مالك في الموطأ عن كعب الأحبار قال : لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهود حمارا . فقيل له : وما هن ؟ فقال : أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه ، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم ، من شر ما خلق وبرأ وذرأ . وفيه عن يحيى بن سعيد أنه قال : أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار ، الحديث . وفيه : وشر ما ذرأ في الأرض . وقد ذكرناه وما في معناه في غير هذا الموضع .

الثالثة : قوله تعالى : " مختلفا ألوانه " " مختلفا " نصب على الحال . و " ألوانه " هيئاته ومناظره ، يعني الدواب والشجر وغيرها . " إن في ذلك " أي في اختلاف ألوانها . " لآية " أي لعبرة . " لقوم يذكرون " أي يتعظون ويعلمون أن في تسخير هذه المكونات لعلامات على وحدانية الله تعالى ، وأنه لا يقدر على ذلك أحد غيره .


[9822]:أي في حديث عمر رضي الله وقد كتب إلى خالد: وإني لأظنكم آل المغيرة ذرء النار.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ} (13)

ولما كان ما مضى موضعاً للتفكر المنتج للعلم بوحدة الصانع واختياره ، وكان التفكر في ذلك مذكراً بما بعده من سر التفاوت في اللون الذي لا يمكن ضبط أصنافه على التحرير ، وكان في ذلك تمام إبطال القول بتأثير الأفلاك والطبائع ، لأن نسبتها إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة واحدة ، قال تعالى عطفاً على الليل : { وما ذرأ } أي خلق وبث وفرق التراب والماء { لكم } أي خاصة ، فاشكروه واعلموا أنه ما خصكم بهذا التدبير العظيم إلا لحكم كبيرة أجلَّها إظهار جلاله يوم الفصل { في الأرض } أي مما ذكر ومن غيره حال كونه { مختلفاً ألوانه } حتى في الورقة ، الواحدة ، فترى أحد وجهيها - بل بعضه - في غاية الحمرة ، والآخر في غاية السواد أو الصفرة ونحو ذلك ، فلو كان المؤثر موجباً بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار ، فعلم قطعاً أنه إنما هو قادر مختار ، ولم يذكر اختلاف الصور لأن دلالتها - لأجل اختلاف أشكال النجوم من السماء وصور الجبال والروابي والوهاد من الأرض - ليست على إبطال الطبيعة كدلالة اختلاف اللون .

ولما كان ذلك - وإن كان خارجاً عن الحد في الانتشار - واحداً من جهة كونه لوناً ، وحد الآية فقال : { إن في ذلك } الذي ذرأه في هذه الحال على هذا الوجه العظيم { لآية } ولما نبه في التي قبلها على أن الأمر وصل في الوضوح إلى حد لا يحتاج معه إلى غير بديهة العقل ، نبه هنا على أن ذلك معلوم طرأ عليه النسيان والغفلة ، حثاً على بذل الجهد في تأمل ذلك ، وإشارة إلى أن دلالته على المقصود في غاية الوضوح فقال : { لقوم يذكرون * } ولو لم يمعنوا - بما أفاده الإدغام ؛ والتذكر : طلب المعنى بالتفكر في متعلقه ، فلا بد من حضور معنى يطلب به غيره ، وقد رتب سبحانه ذلك أبدع ترتيب ، فذكر الأجسام المركبة عموماً ، ثم خص الحيوان ، ثم مطلق الجسم النامي وهو النبات ، ثم البسائط من الماء ونحوه ، ثم الأعراض من الألوان .