الأولى- قوله تعالى : " واذكر في الكتاب إسماعيل " اختلف فيه ، فقيل : هو إسماعيل بن حزقيل ، بعثه الله إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه ، فخيره الله تعالى فيما شاء من عذابهم ، فاستعفاه ورضي بثوابه ، وفوض أمرهم إليه في عفوه وعقوبته . والجمهور أنه إسماعيل الذبيح أبو العرب بن إبراهيم . وقد قيل : إن الذبيح إسحاق ، والأول أظهر على ما تقدم ويأتي في " الصافات " {[10867]} إن شاء الله تعالى . وخصه الله تعالى بصدق الوعد وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء تشريفا له إكراما ، كالتقليب بنحو الحليم والأواه والصديق ، ولأنه المشهور المتواصف{[10868]} من خصاله .
الثانية-صدق الوعد محمود وهو من خلق النبيين والمرسلين ، وضده وهو الخلف مذموم ، وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين ما تقدم بيانه في " براءة " {[10869]} . وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل فوصفه بصدق الوعد . واختلف في ذلك ، فقيل : إنه وعد من نفسه بالصبر على الذبح فصبر حتى فدى . هذا في قول من يرى أنه الذبيح . وقيل : وعد رجلا أن يلقاه في موضع فجاء إسماعيل وانتظر الرجل يومه وليلته ، فلما كان في اليوم الآخر جاء ، فقال له : ما زلت ها هنا في انتظارك منذ أمس . وقيل : انتظره ثلاثة أيام . وقيل فعل مثله نبينا صلى الله عليه وسلم قبل بعثه ، ذكره النقاش وخرجه الترمذي وغيره عن عبدالله بن أبى الحَمْساء قال : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ، ثم ذكرت بعد ثلاثة أيام ، فجئت فإذا هو في مكانه ، فقال : ( يا فتى لقد شققت علي أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك ) لفظ أبي داود . وقال يزيد الرقاشي : انتظره إسماعيل اثنين وعشرين يوما ، ذكره الماوردي . وفي كتاب ابن سلام أنه انتظره سنة . وذكره الزمخشري عن ابن عباس : أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة . وذكره القشيري قال : فلم يبرح من مكانه سنة حتى أتاه جبريل عليه السلام فقال : إن التاجر الذي سألك أن تقعد له حتى يعود هو إبليس فلا تقعد ولا كرامة له . وهذا بعيد ولا يصح . وقد قيل : إن إسماعيل لم يعد شيئا إلا وفى به ، وهذا قول صحيح ، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية ، والله أعلم .
الثالثة-من هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم ( العدة دين ) . وفي الأثر ( وَأْيُ{[10870]} المؤمن واجب ) أي في أخلاق المؤمنين . وإنما قلنا أن ذلك ليس بواجب فرضا لإجماع العلماء على ما حكاه أبو عمر أن من وعد بمال ما كان ليضرب به مع الغرماء ، فلذلك قلنا إيجاب الوفاء به حسن مع المروءة ، ولا يقضى به والعرب تمتدح بالوفاء ، وتذم بالخلف والغدر ، وكذلك سائر الأمم ، ولقد أحسن القائل :
متى ما يقلْ حُرٌّ لصاحب حاجةٍ *** نعم يَقْضِهَا والحرُّ للوأيِ ضامنُ
ولا خلاف أن الوفاء يستحق صاحبه الحمد والشكر ، وعلى الخلف الذم . وقد أثنى الله تبارك وتعالى على من صدق وعده ، ووفى بنذره ، وكفى بهذا مدحا وثناء ، وبما خالفه ذما . قال مالك : إذا سأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول له نعم ، ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى يلزمه .
الرابعة-قال مالك : ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال نعم ، وثم رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان . وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي وسائر الفقهاء : إن العدة لا يلزم منها{[10871]} شيء ؛ لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها طارئة ، وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها . وفي البخاري " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد " ، وقضى ابن أشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب . قال البخاري{[10872]} : ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع .
قيل : أرسل إسماعيل إلى جرهم . وكل الأنبياء كانوا إذا وعدوا صدقوا ، وخص إسماعيل بالذكر تشريفا له . والله أعلم .
ولما كان إسماعيل عليه الصلاة والسلام هو الذي ساعد أباه إبراهيم عليه السلام في بناء البيت الذي كان من الأفعال التي أبقى الله بها ذكره ، وشهر أمره وكان موافقاً لموسى عليه السلام في ظهور آية الماء الذي به حياة كل شيء وإن كانت آية موسى عليه السلام انقضت بانقضائه ، وآيته هو باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وهي التي كانت سبب حياته وماؤها{[48361]} ببركته أفضل مياه الأرض ، وجعل سبحانه آية الماء التي أظهرها له سبب حفظه من الجن والإنس والوحش وسائر المفسدين ، إشارة إلى أنه سبحانه يحيي بولده محمد صلى الله عليه وسلم الذي غذاه بذلك الماء ورباه عند ذلك البيت إلى أن اصطفاه برسالته ، فحسدته اليهود وأمرت بالتعنت عليه - ما لم يحي بغيره ، ويجعله قطب الوجود كما خصه - {[48362]}من بين آل إبراهيم عليه السلام{[48363]} - بالبيت الذي هو كذلك قطب الوجود{[48364]} ، ويشفي به من داء الجهل ، ويغني به من مرير الفقر ، كما جعل ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم ، وكان صلى الله عليه وسلم آخر من شيد قدرهم ، وأعظم من أعلى ذكرهم ، عقب ذكره بذلك فقال : { واذكر في الكتاب } أباك الأقرب { إسماعيل } ابن إبراهيم عليهما السلام {[48365]}الذي هم معترفون بنبوته ، ومفتخرون برسالته وأبوته ، فلزم بذلك فساد تعليلهم إنكار نبوتك بأنك من البشر{[48366]} ، ثم علل ذكره والتنويه{[48367]} بقدره بقوله معلماً بصعوبة{[48368]} الوفاء بالتأكيد : { إنه كان } {[48369]}جبلة وطبعاً{[48370]} { صادق الوعد } {[48371]}في حق الله وغيره{[48372]} لمعونة الله له على ذلك ، بسبب أنه لا يعد وعداً إلا مقروناً بالاستثناء كما قال لأبيه حين أخبرهم بأمر ذبحه { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } فكن أبي كذلك{[48373]} ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ، {[48374]}وخصه بالمدح به - وإن كان الأنبياء كلهم كذلك - لقصة الذبح فلا يلزم منه تفضيله{[48375]} { وكان رسولاً نبياً } نبأه الله بأخباره ، وأرسله إلى قومه جرهم{[48376]} قاله الأصبهاني . وأتى أهل البراري بدين أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام فأحياها الله{[48377]} بنور الإيمان الناشىء عن روح العلم ووصفه بالرسالة{[48378]} زيادة على وصف أخيه إسحاق عليهما السلام{[48379]} وتقدم في{[48380]} أمر موسى عليه السلام سر الجمع بين الوصفين ؛ وفي صحيح مسلم {[48381]}وجامع الترمذي{[48382]} - عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه " أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل عليه السلام " وفي رواية الترمذي " أن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل "
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.